لأننا...
نعيب زماننا والعيب فينا
فنحن نتفق على ان الزمان ما فيه خير
الصغير والكبير يقول ذلك الذي خاض وجرب.. والذي شاهد من بعيد، ولم تعد النوايا هي النوايا، ولم يعد الصفاء هو الصفاء.. كان الزمان يختلف عندما كان عبدالله الرشيد يقول:
مايستشك يا حسين كود الرديين
والا ترى الطيب وسيع ٍ بطانه
في ذلك الوقت كان يمكن لشاعر مثل بندر بن سرور ان يرى فتاة أوشكت أن تكون غزالاً لولا شلال الشعر المنثور فوق.. وسمع من يناديها باسمها.. فقال:
يابنت ياللي صوتوا لك بـ «منور»
نادوك يا «منور».. واسمك منيره
لولا الجديل اللي على المتن منثور
والا لعنود الصيد صرتي خشيره!
لم يحتج أحد، ولم يغضب أحد، ولم يعتبرها الأهل حالة تحرش أو تشهير. في ذلك الزمن... كان يمكن للشاعر أن يتغزل بالفتاة باسمها، دون أن يثير ذلك حفيظة أحد.. لأن النوايا بيض... مثل هذا المعنى يذكره الأمير الشاعر بدر بن عبدالمحسن في ذكريات الطفولة التي كتبها على حلقات في المختلف.. وقال: «كنت اتمنى ان أكبر وأكتب شعراً مثل هذا.. وقد كبرت، وكتبت، ومازلت أقول إنه من الخيال!!».
تغير الزمان فجأة.. وولى زمن يمكن لمحسن الهزاني ان يعلن فيه باحلى صوته:
برق ٍتلالا.. وقلت: عز الجلالا
اثره جبين صويحبي.. واحسبه برق؟!
قالوا: كما مبسم «هيا»؟.. قلت: لا لا
بين البروق وبين مبسم «هيا» فرق!!
كان مبسم«هيا» أجمل بكثير من البرق، فالبرق بشير مطر، اما مبسم هيا فهو نذير خطر، وجمر وثلج.. وجحيم وشلالات تتدافع لاحتلال منطقة صغيرة في الصدر.. هي القلب. كان مبسم «هيا» يستحق الإنشاد، فأنشد الشاعر دون أن يثير شكاً أو ريبة، لكن «محمد بن لعبون» كانت له وجهة نظر اخرى، فقد تعلق بامرأة اسمها «هيلة» ولم يجرؤ على ذكر اسمها في شعره، ولأنه مثقف ومطلع على حساب الجمل،. فإن قيمة اسم «هيلة» في الحروف الرقم «50».. وهي القيمة نفسها لاسم «مي» لذلك انتشر اسم «مي» في قصائده وكان يقصد به «هيلة»، عندما يقول:
يامنازل «مي» في ذلك الحزوم
قبلة «الفيحا»... وشرق ٍعن «سنام»..
ولكن بعد ان فاضت به المشاعر، وعجز عن كتم الحب.. صاح شعراً:
والله.. يا لولا الحيا واللوم
لاصيح وأقول يا «هيلة»!!
وكان من عادة الشاعر ان يتعلق بفتاة واحدة، واسم واحد يتردد في قصائده، ولكنه في الزمن الحالي، زمن السرعة، والمشاعر المستعارة، أصبح لكل قصيدة اسم جديد. نقول متفائلين.. «مازالت النوايا البيض موجودة».. ومازال في الناس خير كثير، ومازال الشعراء يكتبون بدافع نقي، وان ذكروا اسماء وصفات. «فهد عافت» مثلاً ذكر أسماء كثيرة، منها: راينا ومريم وريم... فيقول:
(ريم.. وين راحت عنك ريم؟
من متى ما خذتي عيدية
ولطخ ثوبك ايس كريم؟!)
ولكنه بعد فترة بسيطة يغير الاسم.. فيكتب عن «مريم» قصيدته الشهيرة:
مريم وتضحك يرق الما ويصفى لي زماني
والمكان يطيب.. والرمال يتكدس هنيا
ضيدان بن قضعان كتب ايضاً عن ريم، فقال:
خالة «مها» تشبه مها.. واسمها «ريم»
وعادة يأتي اسما «ريم» و«شوق» مدمجين في الأوصاف، ويصعب افتصاحها في قصائد الشعراء كأسماء، كقول سليمان المانع في قصيدته «سلة أوجاعي»:
وجع هم ووجع «شوق» ووجع جوع ووجع ضيقة
على كيفك وهاك اختار.. هذي سلة أوجاعي..
ويذكر المانع أيضاً اسم «سلمى».. على أنه ترميز للدنيا لا لفتاة، فيقول:
«شكراً لسلمى وألف شكراً لسلمى»!
أما الشاعر «ابراهيم الخالدي» فابتعد عن الاسماء العربية، واختار التغزل بفتاة ارجنتينية:
«فيرونا»
أحلى بنت في هالدنيا
قلت لها: وربك «فيرونا»
أحلى بحور الدنيا عيونك
وأحلى بلاد: أرجنتين!!
أما الشاعر «فرج صباح» فأخذ الحكاية «من قاصرها» وأصدر شريطاً صوتياً عنوانه «الأسامي».. ووضع على غلافة كل أسماء البنات!! خالد المريخي تغزل بفتاة صغيرة اسمها «ياسمين».. فقال ينصح الآباء:
هيه ياللي بذمتكم بنات
زوجوهن قبل تكبر «ياسمين»
والشاعر صالح الظفيري كتب عن فتاة اسمها «سنابل» فقال:
«مثل السنابل.. يوم تمشي سنابل»
وسعد علوش كتب عن «نادية»
: لا تطار يتو بحلوا السوالف والحكي
والله إن أحلى السوالف «نادية»
لا قالت «أرحب» كنها على الراء ترتكي
أتحفها وأخلٍص.. وهي توها «بادية»
ربما لأن اسم الفتاة يبعث عند الشاعر الرجل حالة شاعرية، ويوحي له بمكنونات عاطفية كثيرة، فموسيقى الاسم محفزة، وربما خلقه الشاعر من خياله، لانه تعلق بالاسم المجرد، دون وجود شخصية تمثل هذا الاسم. هناك من يكتب انطلاقاً من واقع حقيقي يمثله الاسم، وهناك من يكتب بدافع عقدة.. ليوضح وجود حب حقيقي يتناوله في شعره دون الاستناد الى واقع!! لكن لماذا لا نعثر على أسماء رجال في قصائد الشاعرات؟!