لقد قيل الكثير حول قيام نائبين في مجلس الأمة الكويتي بتأبين مطلوب للسلطات على ذمة جرائم أمن دولة غاية في الخطورة. وكما يمكن أن يقال أكثر مما قيل فإن ما لا يمكن أن يقال هو أن ما قام به النائبان ومعهما من معهما يجري مجرى الهفوة التي تبرأ باعتذار، أو الخطأ الذي يمكن تجاوزه أو حتى تقويمه، وذلك كما حاول أن يهون من الأمر نفر من الساسة، والمثقفين أيضا. كلا، فمن يؤبن متهما ميتا فهو كمن يحرضه حيا. وفي ذلك لم يكن ليختلف اثنان يعرفان حدود القانون من الفوضى، ويمحصان حدود المعقول من سواه.
والحق أن الدولة تتحمل في هذا السياق جانبا كبيرا من المسؤولية في اطراد سيل من حالات تجاوز القانون والتعدي على حدود سيادتها داخلا وخارجا، إما لتهيبها من الفعل أو لورطتها بين تجاذبات أصحاب المصالح. أجل كان على الدولة مباشرة الفعل من لحظتها واتخاذ الخطوات القانونية بحق جمع المؤبنين، وذلك في تحد أقرب ما يكون لسؤال أن تكون الدولة أو لا تكون! لقد نبهنا مرارا إلى عواقب تخاذل هذه الدولة في الذود عن سيادتها، وها هي تفجع اليوم بتأبين أحد مطلوبيها على أرضها. هل حدث مثل هذا في أي مكان آخر من العالم؟ وهل بعد هذا دليل على سقم سياسة اليد المغلولة أن يؤبن قاتل في دار القتيل؟ أما ما يزيد الفاجعة فهو أن يؤم جمع المؤبنين أعضاء في السلطة التشريعية، وهو أمر يكشف عن انفراط واضح في عقد أولويات نخبة النظام، فيما يتعلق بقضايا أمن الدولة وسياستها الخارجية!
فضلا عن ذلك فإن محنة التأبين أتت امتحانا لكثير من الأقلام المثقفة أو التي تعد نفسها كذلك. على أن تسليط الضوء على هذه النخبة الواعية من المجتمع يعود لما يتوسم فيها من قدرة على استخدام أدوات البحث، ودور في توجيه الرأي العام الوجهة الحكيمة، هذا إذا وعت هذه الفئة مثل هذا الدور الطليعي. ما يلفت النظر لموقف كتاب الصحف من هذه الفئة كان السلبية والتي تمثلت في عدم رغبة أو قدرة العديد منهم على اتخاذ موقف واضح، وذلك رغم وضوح المسألة التي عصفت بالشارع الكويتي، إبان احتفاله بأيامه المجيدة. حالة تيه وحيرة وعدم قدرة على القطع برأي انتابت بعض المثقفين رغم ما في سياق المحنة من تنكر واضح لتضحيات شهداء وتهديد صريح لأمن الدولة والمجتمع. فهناك من تاه في مثالية الفكر الليبرالي، ولعله وجد فيها ملاذا حتى لا ينكر على المؤبنين فعلهم، إذ رأى في ذلك اتفاقا مع مبدأ حرية التعبير. والحق أن من نحى هذا المنحى بتوسل مبدأ راسخ في الفكر الليبرالي في سياق التأبين يُحمّل المبدأ أكثر مما يحتمل، إذ لا يُتوسل بمبدأ نبيل لتقويض الدولة ما دام الشخص المؤبن مطلوبا للدولة في قضايا تخص أمنها. إنها حالة أشبه بمساعي الأحزاب غير الديموقراطية إلى توسل النظام الديموقراطي لتقويض النظام ذاته، تماما كما حدث في ألمانيا النازية قبل ستين عاما. وهل أنكر أحد على الديموقراطيات الغربية حظرها لنشاط مثل الأحزاب أو جعله سببا للتشكيك في رسوخ مبادئها. ومع ذلك فإن المراقب للديموقراطيات الغربية ليجد أمثلة لتحجيم حرية التعبير دون أن يكون لذلك ما يبرره من تهديد للنظام الديموقراطي. ومن يرد أن يتأكد فليجرب أن يهجو نابليون أو ديجول في فرنسا، أو يقرظ فرانكو في إسبانيا، أو له أن يتساءل حول حقيقة محرقة اليهود أثناء الحرب العالمية الثانية! البعض الآخر من المثقفين نحى منحى أقرب لنهج متمرسي السياسة منه إلى علمائها، أسلوب مظهره الرزانة والهدوء وباطنه الرغبة الذاتية في عدم إرضاء طرف على حساب الآخر، بغية كسب الفريقين، وذلك نحو قول بعضهم بأن ما اقترفه النائبان خطأ ولكن ما هو خطأ أيضا تمثل في ردة الفعل التي نشأت عنه. مثل هذا الطرح ليس فقط عديم الفائدة، بل يتجرد صراحة من المسؤولية، إذ هو لا يحل إشكالا بل يخلط الأوراق ويسوق لثقافة الصمت تجاه التعدي على القانون. والحق أنني لا أجد موقفا أشبه بهذا من مواقف نفر غير قليل من المثقفين العرب حيال العدوان العراقي على هذا البلد في صيف 1990، وذلك حين أخذوا على عاتقهم فلسفة الخروج على القانون الدولي والاستهتار بكل عقيدة وشريعة بقولهم إن احتلال الكويت كان خطأ، على أن ما هو أمعن في الخطأ هو تقويم ذلك الخطأ بالقوة الدولية. مثل هذا الحديث يضفي على قائله مسحة من وقار من يمسك عصا من المنتصف لا يردع متعديا ولا يعيد حقا، هذا إن أحسنا النية. أما إذا أبلغ المرء فكرا مداه فإن مثقفا كهذا يفتح الباب واسعا لمن تحدثه نفسه في الخروج عن المعايير، كما أن مثل هذا الطرح أشبه بوعد لفلسفة وتبرير مثل ذلك الخروج.
سواء كان الأمر هكذا أو كذاك فإن محنة التأبين تكشف عن أزمة في دور المثقفين في هذا البلد، سواء افتقد بعضهم مهارة استخدام أدوات التحليل من أجل تركيب علمي لوجهات نظرهم، أو إن هم انجرفوا نحو عبور الوادي من علم السياسة إلى عالمها، فإنهم بدوا في خضم هذه الأزمة في حالة تيه وتردد وحيرة، مع أن الساعة كانت.. ساعة حقيقة!
syrbee@msn.com [1]
Links:
[1] mailto:syrbee@msn.com