في شهور الصيف التي لا تنقضي كان جزيرةً للعزاب، وفيه مرت ليالي السمر مع الزملاء بسلام.وبجانب البيت تقف سيارتي الكاديلاك.لقد أصاب (هرب بدولف) كبد الحقيقة حين قال: "أنت هنا في وطن ، إذن فالأمور تختلف بالنسبة لك..."
الفرار من هذا الطقس القاتل.
أجل كان مُحقّاً؛ فالكويت أضحى موطني. وككلّ من يعش هنا فقد قاسيت صيفاً تلو الآخر، كانت سببا في ضيق مستمر طيلة فترة الصيف. لقد كنت أندبُ ذلك الحظ، وكم من مرّة حدثتني نفسي بالفرار من هذا الطقس القاتل.ولكن الآن، وحيث لي الخيار في هجر هذا كله وأن أعيشَ في معسكرٍ في الدمّام، أو أسكنَ في الخفجي تحت شراع سفينةٍ، الآن يلوح لي ذلك اليوم الأميركي لدفع الأجور غير ذي جاذبية. بعد عامٍ ونصف سينتهي العمل في مشروع الدمام ومن يعلم بعدها أين ستأخذني قدماي؟
الهندي يتربّع على مجلات ميكي ماوس
إذن كما قَدم هؤلاء الرجال قبل بدء العمل بهذا المشروع الكبير على أجنحة الطائرات سيرحلون أيضاً. وبحلول يوم غد سيكونوا طي النسيان، ولن يأتي على ذكرهم أحد. إنهم كما لم يحيوا أبداً. هؤلاء الرجال الذين عمل معهم المرء جنباً إلى جنب قرابة عامين لم يخلفوا لدى سواهم انطباعا واحداً، فقط الهندي الذي كان يعمل في المطعم هو من يفتقدهم! لأنه يتربّع الآن على عرشٍ من مجلات الفكاهة وميكي ماوس.في المكتب الهندسي تمكثُ الطاولات خاوية، وآلات الرسم وضعت تحت أغلفة بلاستيكية.ودار السينما المكشوفة بالكاد يرتادها أحد البومروي.. و(بَك) أغلق قبل أسابيع نادي غرانديا، وإلى الأبد.القلة ممن يسكنون المعسكر الآن لا يشغلون حتى ثلاث طاولات.
وفي المطبخ لم يعد (جون أوكونور) هو المتصرف، بل طباخٌ هندي؛ لقد رحل (جون أوكونور) إلى إنجلترا، ولا ينوي العودة مرةً ثانية إلى الجزيرة العربية. لقد رحل أيضاً أفضل الصوماليين؛ والحلاق العراقي يقص الآن شعور زبائنٍ آخرين؛ وقد جُعل لبنانيٌّ مشرفاً على الشئون الإدارية.
تسليم الجزء الآخر من الميناء
في فناء العمل تقف الكسّارات العملاقة هادئةً وقد غطاها الغبار، وهُجر مصنع الخرسانة تماماً.وفي المخازن لم يبق هناك سوى بعض الأُمناء من الهنود الذي يصرفون قطعة غيارٍ بين الحين والآخر.بكلّ هدوء وبلا أية إثارة قمنا بتسليم الجزء الآخر من الرصيف وكذلك قاعات التخزين. وفي الميناء الصغير ترسو الآن يخوت الشيوخ. خمس بواخر ترسو الآن عند الرصيف الرئيسي وتفرّغ ما بها من حمولة. ومع ذلك فهذا الرصيف ترك في نفسي انطباعاً ميتاً؛ فالرومانسية التي تفضّلت من مرحلة البناء نَسختها الآن وتيرة الرسو والتفريغ. وعند المداخل إلى الساحات الواسعة التي لم تشغل بعد عُلّقت لوحة كُتب عليها:الدخول ممنوعٌ منعاً قطعياً.من تبقى من عمّال التجهيز فقد اختفى من الرصيف الكبير. بل إن سيارات النقل الصفراء الخاصة بالشركة بدت كالعقبة في الطريق فحسب.
منظرُ خيمة سيرك
حين أخطو في موقع العمل في هذه الأيام الأخيرة من عقد العمل يقفز في ذهني منظرُ خيمة سيرك؛ فليلة البارحة كانت إحتفاليةً ختامية... ألوف من المصابيح ترسل أشعتها... وتحت سماء الخيمة يتطاير البهلوانيون... مزيّنو الخيل... أسود... نمور ودُببة قطبية... مهرّجون... وبائعات تذاكر بتنانيرٍ قصيرة... ومن فوق نفق مرور المستعرضين تُعزف الموسيقى النحاسية... وتنشر بذلك البهاء والسناء في المكان. والآن؟ فالخيمة قد إنهارت... وعربة الحيوانات ليس لها أثر... وعلى الأرض إنتشرت حلقات النشارة... بعض القش... دلوٌ منبعج... فردة حذاء ورائحة حيوانات مفترسة، خيل... من السيرك...ومثلما ذهب البهاء والزخرف بعد أن طُويت الخيمة الكبرى فقد غاب الزهاء والشهرة والمجد الذي حلّق في سمائنا حين كنا نُشيّد الميناء، ووهبنا جميعاً اليقين بأننا نُعد في عِداد أفضل بنائي العالم. كل هذا ذهب مع الريح وإنطفأ...
أشبه بمؤخرةِ جيشٍ كان منتصرا
نبدو لأنفسنا كمؤخرةِ جيشٍ كان ظافراً يوماً ما، أو كمن يعدو آخراً في سباقٍ حافل، لا يعيره أحدٌ أي اهتمام.نجول على الرصيف المستطيل ونطوف بالرافعات والقلاّبات ونقف متفكّرين.ها هي كل ما وضعته على الخرسانة من علاماتٍ حمراء... أرقامٌ لا يفقه معناها أحدٌ سواي... ولكن تلك الآصرة التي شدّتني يوماً ما نحو هذا العمل لم تعد هناك، ويبدو الأمر لي كما لو أقف في إحدى المقابر على لحدٍ لأحد أقربائي.نحن حقاً لسنا إلا ما تبقى من فلول جيشٍ.
من الدمّام الأخبار غيرِ مفرحة
كاد (إرني ماير) أن يوديَ بحياته، ويرقد الآن بسبب تسممٍ ولمن أختار العمل هناك فلا توجد أي إمكانيةٍ للترويح. فمعسكر أرامكو لا يُسمح بدخوله إلا بدعوةٍ خاصة، وبحسب الإمكانية. وهكذا يتسنّى لهم بين الحين والآخر أن يشاهدوا فلماً أو يروا سوقا ويشربوا كوكاكولا.كما أصبح معلوماً بأن الدوائر قد دارت على (ركس تشافين)؛ لقد تم الاستغناء عنه. لم يقوَ على الاستمرار ذلك الطيب (ركس تشافين). سيخلفه العجوز (بنسون) من خليج سوبِك؛ رجلٌ تتردّد عنه الشدّة القصوى.
وعلى كل حال فالوضع في الكويت أفضل بكثير من الدمّام. ولكن بالنظر إلى ظروف العمل السائدة في الخفجي فإن الدمّام أفضل من الخفجي؛ فالخفجي حقاً كارثة.
وقعت إصاباتٌ وحوادثٌ مميتة
لقد بذلت الشركة مجهوداً لإيجاد الأيدي العاملة. ففي الخفجي يفرّ حتى المواطنون بعد ثمانية أيام، وليس هناك من أجرٍ يمكن أن يغريهم أن يقيموا حياة في تلك الوحدة الموحشة.أكثر من ذلك أن العمل هناك كما لو يجري في ضوء نجم مشئوم، فقد وقعت إصاباتٌ وحوادثٌ مميتة أيضاً.
ولا تستطيع الشركة أن ترسل فيلبينيين للعمل في الخفجي. فالكره الذي يكنّه الفيلبينيون لكلّ ما هو ياباني بسبب الإحتلال الياباني لجزرهم، وما تلاه من ترويعٍ وتعذيب لا يزال شاخصاً حتى أنه يصعب الحديث عن أيّ نوعٍ من التعاون. فليس عبثاً ألاّ يُسمح ليابانيٍّ حتى اليوم أن يطأ يابسة الفيليبين.
شاطئٌ أبيض كالجليد، بخليجٍ مستطيل وضيق، حين يخوض فيه المد مرتين في اليوم يبدو كالتيّار الجارف. ما جواره من اليابسة خالٍ من البشر؛ قفرُ صحراءٍ محترقة... وفرق العمل في خيام...
لقد اخترت الكويت
كل قطرة ماءٍ عذبٍ تُجلب من الكويت بصهاريجٍ متحركة. الطريق الصحراوي إلى هناك بالغ السوء؛ تكثر فيه الحفر وتطمره الرمال، كما يقلّ به المارة، حتى أن (بَك) و(جاك بومهارت) قد أمضيا ليلةً على الطريق بعد أن إنكسر محور مركبتهم. للخفجي طقسٌ شديدُ الحرارة والرطوبة صيفاً وفي الشتاء تهب من جهة البحر عواصفٌ قارسة البرودة.
وحال العمل في الدمّام وشأن الخفجي كغيره في أماكن أخرى. فما يخبز من رغيف ليس كبيراً بما يكفي، وما يُطلب ممّن يعمل هناك يعادل ما يُنتظر من أفرادِ بعثات استكشاف الربع الخالي. ومع ذلك فأفراد هذه البعثات يُرسلون في إجازاتٍ إجبارية كل ستة أسابيع بينما لا يحصل من يعمل في الدمّام أو الخفجي على إجازة إلا باختتام العمل أو انتهاء العقد.
ودخل الألمان الكويت
وحتى وإن لم يلُح لي في المستقبل المنظور عملٌ بأهميةِ وطرافة ما قمت به في بناء الميناء، فإن هناك ما يكفي من العمل. قد مركبتك مرةً وأتخذ مثلاً الطريق من واجهة البحر في الشارع الظليل حتى الصفاة، ثم مِل ماراً بقصر نايف إلى النقرة، أو من الشويخ إلى حولي والسالمية: الكويت بأسره عبارة عن موقعِ عملٍ فريدٍ وعملاق! من مقر المقيم السياسي وقصر الحاكم في دسمان وحتى الصليبخات في العراء ستجد أن قد سارت وتيرةَ البناء حتى أن المرء لم يعد يتعرّف الأماكن؛ فهناك طرق تُعبّد، ومجالٌ يفسح لمدينة الكويت الكبرى بثمانية طوابق ومصاعد. في الجانب المقابل لدائرة المرور يبني الألمان "دائرة الطباعة والصحافة"، أحدث مبنى في الكويت بنوافذٍ مغلقة وتكييفٍ شامل.وقد وضعت إدارة المدينة مجموعةً من المنازل حول قصر نايف، وفي السوق سكّت الأساسات لسوقٍ جديد وكبير. وبنك الكويت الوطني يشيد أربعة أدوار.
عمل لكلّ طالب عمل
أكان للطليان الذين يعيشون بقناعةٍ شديدة، ويتغذون على السباغيتي والطماطم، ومقابل ذلك يبعثون بكل روبية إلى وطنهم؛ أو للألمان الذين أُطلقت يدهم في الكويت: يبنون مساكناً ويبيعون الإسمنت والأنسجة والصلب.أو للسويديين الذين بدأوا نشاطهم في البناء وتصدير الأثاث السويدي إلى الكويت.كذلك الدانمركيون الذين يمسكون الحسابات ويكتشفون بعدها أن عليهم ديوناً... يستطيعون العيش... النرويجيون اليوغسلاف، اليونان والهولنديون كلّ هؤلاء يجنون مالاً.
غربيون عاشوا في الكويت
منهم أم سعود التي ولدت عام 1896 وتوفيت عام 1991، وعاشت في الكويت 61 عاما من عمرها الذي بلغ 94 عاما. عندما اصدرت كتابها، وهو مذكراتها في الكويت على مدى اربعين سنة، أى منذ وطئت قدماها الكويت إلى ان توقفت عن الكتابة وذلك عندما وصلت إلى سن متقدمة وأصبحت في حاجة إلى الراحة والسكينة. هذه هي فيوليت بنيلوب لوكس لكرافت زوجة ممثل بريطانيا في الكويت السيد هارولد ديكسون في أوائل القرن العشرين، هذه السيدة دخلت التاريخ من ابواب الكويت المشرعة الواسعة وكان يطلق عليها ام اسعود، حيث سمت ولدها توجو اسعود والذي أصبح بعدها ضابطا في الجيش البريطاني في الحرب العالمية الثانية، كما سمت ابنتها زهرة وظلت زهرة تحمل هذا الاسم في حياتها.
هذه مقدمة لحياة سيدة انكليزية عاشت في الكويت في اول القرن العشرين.
تركت كتابها «اربعون عاما في الكويت» ثم اصدرت كتابا آخر عن النباتات والورود في الكويت التي توشك ان تنقرض، وقد اخذت نماذج من هذه النباتات والورود وارسلتها الى متحف «بيولي» في لندن، متحف النباتات في العالم، كما ان ابنتها زهرة قد اخرجت كتابا هو «الكويت كانت منزلي»، وقبلها السيد ديكسون اخرج كتابين قيمين الاول «الكويت وجاراتها» والثاني «عرب الصحراء».
هذه الاسرة كانت خلال اقامتها في الكويت تركت بصمات لا تنسى.
كان في الكويت اكثر من خمسة وعشرين ممثلا لبريطانيا في الكويت،لكن الوحيد الذي ترك بصمات لا تمحى هو ديكسون وغيره مر مرور الكرام. وهنا لا ننسى ان هناك سيدات وصلن قبل السيدة فيوليت ديكسون الى الكويت منهن السيدة الياتور كالفرليالتي كانت في الكويت سنة 1912وافتتحت المستشفى الاميركي ومنهن قدمن من الولايات المتحدة الاميركية من الارسالية، وكانت السيدة كالفرلي قد سجلت مذكراتها في كتاب قام المرحوم عبدالله خالد الحاتم بترجمته.
هذه السيدة ديكسون، التي ولدت عام 1896 في جوتباي بكنلولن مشاير، وفي سنة 1919 عملت في بنك شركة كوكس وسيليا، وتعرف عليها السيد ديكسون هناك، ويشاء الحظ ان يتزوجها في الهند، ومن هناك ينتقل الى البحرين ثم الى العراق، البصرة والعمارة ثم الى مدينة الكوت، ومن هناك يتم اللقاء مع قادة الحكم في المنطقة السير برس كوكس فيلبي جيرترود بيل ورابعهم هارولد ديكسون، هؤلاء الذين كتب لهم التاريخ ان يحكموا المنطقة ردحا من الزمن.