Published on جريدة الرؤية (http://www.arrouiah.com)
الديون
 العراقية..
 من يجرؤ 
على إسقاطها؟

السبت, 2 أغسطس 2008
محمد عبد الحفيظ

أثيرت في الآونة الأخيرة قضية إسقاط الديون العراقية وكانت محل جدل ونقاش من جميع فئات المجتمع الكويتي، خاصة بعد اجتماع الدول الكبرى الدائنة للعراق في نادي باريس وإعلانها اسقاط الديون عنه، ويرى البعض أنه على دولة الكويت أن تتفهم مأساة الشعب العراقي والظروف العصيبة التي يمر بها، وخاصة أن العراق في الفترة الحالية يبذل كل الجهود في سبيل إعادة الإعمار، ومن الصعب عليه تسديد هذه الأرقام الخيالية من الديون المستحقة للكويت وغيرها، لذا فمن الأفضل لدولة الكويت ألا تبتعد عن الإجماع الدولي في مسألة اسقاط ديونها ولو بنسبة كبيرة، وخاصة أن الكل يعرف أن هذه الديون معدومة في ظل الظروف الحالية للعراق، فيما يرى آخرون أنه على دولة الكويت أن تستفيد من خبرات دولة الإمارات التي أسقطت بالفعل ديونها، ولكن استفادت بالكثير من جراء هذا الإسقاط، وحققت على أساسه مكاسب كبيرة جدا حيث حصلت على عوائد هذا الدين وفائدته بأضعاف أضعاف قيمته قبل إسقاطه عن طريق فتح باب الاستثمار بينها وبين العراق. بينما يرى آخرون أن موضوع إسقاط الديون العراقية مرفوض تماما، ولا تملك الحكومة صلاحية القرار، فهو حق وملك للشعب الكويتي، ويعتبرونه حق تعويض عما آلت إليه أيدى العبث بالنظام العراقي السابق من حرق الآبار النفطية والتى تمثل ثروة الكويت آنذاك، وكانت تقدر قيمتها بمليار ونصف المليار، وقتل أبنائها، إضافة الى ما خلفته تلك الحرب على الرغم من قصرها من مآس وكوارث كبيرة على الشعب الكويتي وعلى اقتصاده ومعنوياته وبيئته والتى لاتزال آثارها ممتدة حتى اليوم.

لكن يطالب آخرون الحكومة بالتفكير في إسقاط الديون عن أي دولة من الدول، ومن باب أولى أن تسقط الديون التي ترهق كواهل ذوي الدخل المحدود من المواطنين والتى تأكل مداخيلهم فهم أولى من سواهم بالفائض في الميزانية ثم الديون عن العراق ولكن في حدود مصلحة وإمكانات الكويت.

«الرؤية» طرحت مسألة إسقاط الديون العراقية على بعض الأكاديميين ولنتعرف على آرائهم في التفاصيل:

في البداية يقول الخبير الاقتصادي حجاج بو خضور أن مسألة إسقاط الديون العراقية باتت محل جدل ونقاش من الجميع، وخاصة بعد أن بادرت دولة الإمارات إلى إسقاط ديونها عن العراق، مشيرا الى أن عملية الإسقاط تتوقف على أمرين أساسيين، هما حجم الدين وطبيعة ذلك الدين، والأمر الثانى العائد الذى سيتحقق من إسقاط هذا الدين وظهر ذلك فى الدول التي بادرت في إسقاط هذه الديون، حيث وازنت بين الفائدة من اسقاط هذا الدين وحجمه والأسباب التي نشأ على أساسها الدين، ويوضح بوخضور أن دولة الإمارات أسقطت بالفعل ديونها ولكنها استفادت بالكثير من جراء هذا الإسقاط قبله وبعده، وحققت على أساسها مكاسب كبيرة جدا، فعملية الإسقاط كانت بالنسبة لها فاتورة أو ثمنا تم تحصيله قبل أن يكون ذلك التنازل، وبالتالي أصبح ذلك الدين استحقاقا لما تم من مكاسب في التعاملات التجارية والصفقات التي تحققها، أو بمعنى أوضح أن دولة الإمارات حصلت على عوائد هذا الدين وفائدته بأضعاف أضعاف قيمته قبل إسقاطه. أما مسألة إسقاط الديون العراقية في الكويت بهذا الشكل فهي تخلو من العدالة.

وأكد بوخضور أن أوضاع العراق الاقتصادية تأثرت بها أكثر من دولة ومنها الكويت، وبالتالي يجب علينا أن نستفيد من خبرات الدول الأخرى وما حققته من إجراء إسقاط الديون، فهناك معالجات وطرق كثيرة لإطفاء هذه الديون وتسويتها من خلال التعاون التجاري والمشاركة في أكثر من مشروع والتي تعود بالنفع على البلدين.

وذكر بوخضور أن قضية التعاون مع العراق وإسقاط الديون يعتبر موضوع بحث يندرج تحت معالجة الديون وفق معالجة اقتصادية وليس بمعالجة سياسية، فعلى الجانب الكويتي تقديم حلول يشاركه فيها القطاع الخاص في إطفاء هذه الديون من خلال التأمين وتخصيص فرص استثمارية في العراق، ما يعود بالنفع العام على البلدين، ومن خلالها أيضا يتم توظيف مسألة الديون بشكل تنموي يحقق لنا الكثير من المكاسب تحت مظلة التعاون والمشاركة.

مراعاة الجانب الإنساني

بدوره اعتبر رئيس قسم التمويل كلية العلوم الإدارية جامعة الكويت د.محمود بهبهاني أن مسألة إسقاط الديون العراقية تتمثل فيها مشكلتان أولاهما أن عددا كبيرا من المواطنين الكويتيين لديهم العديد من المشكلات في مسألة الديون ومحاولة مجلس الأمة أكثر من مرة إسقاط تلك القروض عن الشعب الكويتي، وهو الأولى فى إسقاط القروض عنه، وخاصة المتعسرين. والمشكلة الثانية فى العراق، حيث إن الشعب العراقي عانى كثيرا من الحروب التى مر بها وعلى الدول الإسلامية والعربية مساندة هذا الشعب، وبالتالي عندما نبحث عن إسقاط الديون العراقية يجب أن نراعي الجانب الإنساني للشعب العراقي.

ويشير د.بهبهاني الى أن الأوضاع الاقتصادية في العراق والتي تؤثر سلبا في الأوضاع الأمنية ليس فى العراق فقط بل في الدول المجاورة لها، وبالتالي المساعدة في تعديل الأوضاع الاقتصادية داخل العراق الهدف منها المحافظة على الأمن العراقي والمحافظة على الدول المجاورة. وأوضح أننا لسنا في معزل عن العالم، والعراق دولة جارة لنا، وهناك اتصالات بين البلدين منذ عقود، ويجب أن نساهم فى تصحيح وتعديل الأوضاع الاقتصادية والأمنية فى العراق ولو بالقليل، ولكن على حكومة الكويت قبل التفكير في إسقاط الديون عن أي دولة من الدول أن تسقط الديون التي ترهق كواهل ذوي الدخل المحدود من المواطنين، فهم أولى من سواهم بالفائض في الميزانية، ثم الديون عن العراق، ولكن في حدود مصلحة وإمكانات الكويت.

من جهته رفض النائب فيصل المسلم إسقاط الديون عن العراق، وقال ان هذا مرفوض ولا تملك الحكومة صلاحية القرار، وهو حق وملك للشعب الكويتي، وخاصة أننا نعلم أن العراق دولة غنية وليست عاجزة عن تسديد ديونها، وأشار المسلم الى قيمة تلك الديون حيث إنها كبيرة جدا وتدخل ضمن المال العام ولا يجوز لأحد أن يسقطها.

فيما أكد وزير التخطيط الاسبق د.أحمد الجسار أن قضية إسقاط ديون دولة عن دولة أخرى هو أمر مأخوذ به، ولكن إذا كانت تلك الديون قليلة، أما بالنسبة لوضع إسقاط ديون دولة العراق فهو أمر مرفوض نسبيا، وخاصة أن الكويت عانت من ويلات الاحتلال ودمرت ممتلكاتها واستنزفت قدراتها وتعطلت مسيرة التنمية بسبب الغزو، إضافة إلى أن الديون العراقية ضخمة جدا والشعب الكويتي يرفض تماما، فلا يجوز بأي حال من الأحوال أن يتم مكافأة العراقيين على غزوهم لبلدنا. ويشير الجسار الى أنه من الممكن تخفيف نوعية الديون بأشكال أخرى كمساعدة أو معونة أو بحسن علاقات الجوار المستقبلية، وفي حالة عجز العراق عن تسديد ديونها للكويت، فمن الممكن أن تسدده بطرق مختلفة منها فتح باب الاستثمار الكويتي بالعراق كالاستفاده من الأراضي الزراعية وأخذها كامتلاك، أما إسقاط ديون العراق بهذا الشكل فلا يرضي شعبها.

نرفض إسقاط الديون

ويؤكد أستاذ العلاقات الدولية د.عبدالله الغانم رفضه التام إسقاط الديون العراقية، حيث يعتبر أن هذه الديون حق تعويض عما آلت إليه أيدي العبث للنظام السابق من حرق الآبار النفطية والتى تمثل ثروة الكويت آنذاك، وكانت تقدر قيمتها بمليار ونصف المليار وقتل أبنائها، إضافة الى ما خلفته تلك الحرب، على الرغم من قصرها من مآس وكوارث كبيرة على الشعب الكويتي وعلى اقتصاده ومعنوياته وبيئته والتى لا تزال آثارها ممتدة حتى اليوم.

ويوضح الغانم أن المديونيات التى تم إسقاطها في نادي باريس ذلك أمر أثار جدلا فى الساحة السياسية والشعبية وتقدر بحوالي خمسة مليارات من ديون العراق، وهي خاصة بمديونية عدد من الدول الأوربية وإذ ما تمت المقارنة بين قيمة تلك الديون التى تم إسقاطها ومديونية الكويت فتجدها كبيرة جدا حيث تصل قيمتها الى خمسة عشر مليارا، وبالرغم من عدم إلغاء الديون العراقية فإن ذلك لم يمنع دولة الكويت من تقديم المساعدات الإنسانية إلى العراق حتى الآن.

ويشير الغانم إلى أنه يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن طرق مساعدة العراق لا تقتصر فقط على إلغاء الديون العراقية، بل هناك طرق كثيرة يمكن بها تقديم يد المساعدة للدولة المجاورة، منها دعم الحكومة الكويتية والدول الخليجية الأخرى لاستقرار وأمن العراق، كما فعلت دولة الكويت أخيرا فى استضافة مؤتمر دول الجوار. ويختتم د.عبدالله الغانم حديثه قائلا: ان عدم اسقاط الديون العراقية هو بمنزلة الأثر العقابي فترة طويلة أفضل فى ردع التهور لأى حكومات مستقبلية في العراق من التعرض لدولة الكويت.

هذه الديون معدومة

وبدوره يقول وزير المالية السابق بدر الحميضي: مما لاشك فيه أن الديون العراقية هى التزام على حكومتها تجاه دولة الكويت، ولكن نحن نعرف جيدا أن العراق متوقفة منذ فترة طويلة من الزمن عن سداد ديونها، نظرا للظروف التى مرت بها من الحروب وغيرها. ويتجه العالم كله في محاولة لتخفيف الأعباء عن دولة العراق، وظهر ذلك في اجتماع نادي باريس الذي يضم أكبر عدد من الدول الدائنة لدولة العراق، ومن خلاله تم إسقاط الديون عن العراق. وأخيرا أعلنت دولة الإمارات اسقاط ديونها البالغة 7 مليارات دولار. ويوضح الحميضي أنه مما لاشك فيه أيضا أن قرار إسقاط الديون عن العراق لن تقدم عليه الحكومة الكويتية إلا بعد الرجوع الى المجلس للوصول الى رأي مشترك.

ويعتقد الحميضي مع احترامه لوجهات نظر نواب مجلس الأمة الرافضين لقرار اسقاط الديون العراقية أنه على دولة الكويت أن تتفهم مأساة الشعب العراقي والظروف العصيبة التى يمر بها، وخاصة أن العراق في الفترة الحالية يبذل كل الجهود في سبيل إعادة الإعمار، ومن الصعب عليه في الوقت الحاضر تسديد هذه الأرقام الخيالية من الديون المستحقة للكويت، فمن الأفضل على دولة الكويت ألا تبتعد عن الإجماع الدولي في مسألة إسقاط ديونها ولو بنسبة كبيرة، وخاصة أن الكل يعرف أن هذه الديون معدومة معدومة.فيما يرى رئيس مجلس إدارة شركة مجموعة الأوراق المالية ووزير التخطيط الاسبق على الموسى أن معالجة ديون العراق للكويت لها جانبان أولهما فني يحكمه نادى باريس وهو الذي ينظم العلاقة بين الدول الدائنة والمدينة أما الجانب الاخر فهو الجانب السياسي بالكويت ويتمثل في أن أي معالجة لابد أن تمر من بوابة مجلس الأمة بمعنى أنه لابد من موافقة أعضاء مجلس الأمة لأنها قضية اهتمام عارم من قبل الشعب الكويتي، ويشير الموسى الى أنه على الإخوان في العراق الابتعاد عن كل ما يثير استفزاز مشاعر الشعب الكويتي، ونعلم أن السفارات جزء من الدولة صاحبة العلم، وهو كلام الفرد العادي والمهم هو الموقف الرسمي لأن الممتلكات الديبلوماسية لأي دولة هي جزء من ممتلكاتها ولا يمكن بيع السفارة الكويتية بالعراق، ومن الاستفزاز أيضا ادعاء العراق سرقة الكويت للنفط، هذه الأمور التي تصعب من عملية تسوية الديون العراقية من قبل مجلس الأمة، ويوضح الموسى أن الجميع يعلم أن علاقاتنا بالكويت ينظمها مجلس الأمة، ولا توجد سلطة على أفراد ومواطنين، إضافة الى أن عملية الإسقاط لا تأتي نتيجة تهديد دولة لها دستورها وقوانينها، فالعامل الأساسي في هذه المسألة أن تهيئ العراق الجو للتعاون بين الطرفين.

ويؤكد كبير مهندسي شركة نفط الخليج مهندس أنور النعار رفضه التام لمبدأ إسقاط الديون العراقية وخاصة أن العراق لديها موارد متعددة، وأضاف أنه إذا كانت هناك محاولات جاهدة من قبل الولايات المتحدة في ممارسة مختلف أنواع الضغوط على الدول الخليجية بهدف إسقاط الديون المستحقة لتلك الدول لدى العراق، لذلك من الضروري عدم اكتراث حكومتنا لأى ضغوط خارجية، ومن الأولى من حيث المبدأ إسقاط الديون عن المواطنين.

2008-2009 جميع الحقوق محفوظة لشركة الرؤيه للخدمات الإعلامية ©


Source URL (retrieved on 2009/01/09 - 07:03): http://www.arrouiah.com/node/35194