Published on جريدة الرؤية (http://www.arrouiah.com)
احفر الأرض ستجد نفطاً وافعلها مرةً أخرى ستجد النفط من جديد ...النفط ولا شيء غير النفط
 رغم غياب الأمطار فقد اخضرّت الصحراء بين ع

الجمعة, 25 يوليو 2008
ترجمة د. محمد بن عصام السبيعي

رغم ما هطل من أمطارٍ باردةٍ في الشتاء الطويل من هذا العام فقد كان حقاً قليلاً. ولم يصل إلى كمية السبعة عشر سنتيمتراً والنصف الاعتيادية، التي يمكن لزخّتين أو ثلاث أن توفرها. أتى الربيع طلقاً، ورغم غياب الأمطار فقد اخضرّت الصحراء يين عشيةٍ وضحاها، يقلّ في المرتفعات ويكثر في المنخفضات. وحتى هناك في الخارج حول زاوية الملا نشأ مرجٌ صغير.

دعوات لاستضافتك في الخيام

إنه شعور رائع أن تقود مركبتك في هذا الربيع العربي، وتحيّي تلك الخضرة الناعمة رغم شحّتها. كم يسعد المرء أن يشهد في هذه الأرض الصفراء المملة روعة هذا الفصل من السنة، فيمتع ناظريه بالورد ويستمتع بهبوب الريح الدافئة. يتابع الطيور وهي تحلّق في صفوف متّصلة على مقربةٍ من الأرض، وتبدي كلّ حركةٍ بهلوانية. ذلكما الأسبوعان اللذان يسحر خلالهما الربيع بيدٍ دافئةٍ الحياة في الصحراء هما أمتع أوقات العام. والجميع يغدو خلال هذا الوقت القصير مرحين وسمحين. فالدعوات لاستضافتك لتمضيَ بضعة أيامٍ في الخيام تأتيك من كل صوب. وحتى إن لم يسعف الوقت فعلى الأقل قضاء المساء تحت تلك الخيام خارج المدينة.

خروج الكويت إلى البر

في هذا الوقت من العام يأمر الشيوخ بنصب خيامهم السوداء ويفرشوها بالزّل. كما يجلب رجال البادية خيول السبق والجمال. وبحسب ما تسمح به مشاغلهم يخرج الشيوخ عصراً إلى خارج المدينة ليستمتعوا مع أصفيائهم بحياة البادية. وأباريق القهوة تصطفّ حول النار حيث يُحَمّر لحم الخروف. كما وتجري مسابقات الفروسية وتناقش وتنظّم شؤون القبائل. فالأمور تدار مرّةً أخرى على نحو يقارب ما كانت عليه في سابق عهدها.

ولا يتبقى من هذا المشهد سوى ذلكما الفارسين اللذين يقدمان على عجلٍ من الصحراء ليرتميا من فوق ذلوليهما أمام الخيام وليهمسا خبراً جللاً في أذن الامير. ولكن اليوم يستقبل الشيخ آخر الأخبار عبر مذياع الموجة القصيرة الخاصة به، ويبعث كذلك بالأوامر من خيمته عبر الأثير.

مئاتٌ الخيام

لقد كنت أتجنب العمل على قدر ما أستطيع وأسافر إلى المطلاع لالتحق بأصدقائي، أرتمي على السجاد واضعاً الذراعين تحت الرأس، أتجاذب بين الفينة والأخرى معهم أطراف الحديث، أشرب شاياً، وعدا ذلك ببساطة لأفرح بمقدم الربيع.وبالنسبة للبدو فهذا هو أفضل فصول العام. تجدهم يرحلون بقطعانهم إلى أعماق الصحراء: حيث تنتشر المراعي في كل الانحاء. وفي المنطقة المحايدة حول الوفرة تنتصب مئاتٌ من الخيام السوداء وتبدو للناظر ألوف الجمال. في المدينة تختفي دشاديش الشتاء السميكة والغامقة اللون. وترى الكويتيين يجوبون الأسواق من جديد بتلك الثياب ناصعة البياض.

فصل الربيع القصير

قـد مـضى

وسيدهش المرء حين يلاحظ بأن مكيفات الهواء قد بدأت في الهدير هنا وهناك، وأن باعة الثلج قد عادوا للظهور من جديد. ففي كل يوم يكون الطقس أدفأ عن ذي قبل، وفجأة يقال: (الطقس اليوم دافئ جداً، أليس كذلك؟) لا ريب. ففصل الربيع القصير ودافق الحيوية قد مضى. والصيف الآن على الأبواب...

بلغنا، وعلى نحوٍ لم يتوقعه أحد، بأن الجمعة القادمة لن تكون يوم عمل. وأخيراً حصلنا مرةً أخرى على يوم عطلة! ولأجل هذا اليوم فقد استأجرنا بوماً لنبحر في رحلةٍ إلى جزيرة فيلكا، تلك التي تقع خارج الجون، وبهذا تحتل موقعاً إستراتيجية لإشرافها على مدخله. بالنسبة للعراقيين فإن هذه الجزيرة كالقذى في العين. وقد حاولوا منذ سنوات أن يتفاوضوا على موطأِ قدمٍ عليها.

الجزيرة مقابل الماء العذب!

ينتج الكويت كلَّ قطرة ماءٍ عذب بواسطة محطّات التحلية. ومع ذلك يضيع من الماء العذب من شطّ العرب هباءً في كل ثانية أكثر مما تنتجه في يومٍ واحدٍ محطّات التحلية التي كلّفت ملاييننا. لعلّها ستكون مهمّةً يسيرةً أن تقام محطة أنابيب هناك في (أبوالخصيب) أو (سابي)، ويضخّ الماء عن طريقها إلى الكويت. ولكنّ شطُّ العرب يخص العراقيين والإيرانيين ...ورغم شعارات القومية العربية الكبرى فليس هناك من ماءٍ للكويت ( العربية ) من شط العرب ، وإنما ينساب سدى في مياه الخليج المالحة!

النفط بدل الماء

لا يفكر شيخ الكويت في بيع فيلكا، بل إنه يُلح على شركات النفط مواصلة البحث عن الماء العذب. ولكن لعله من ضروب التناقضات المحزنة أن يعثر المرء في كل ثقبٍ يحفره في الكويت على النفط ولا شيء غير النفط. فأحفر في القاع حفرة ستجد نفطاً، وافعلها مرةً أخرى ستجد النفط من جديد، النفط ولا شيء غير النفط...

الكويت محاصرٌة بين البحر والبرّ، والطرق الاسفلتية تتوقف فجأة في الصحراء. تتركز الحياة في المدينة، والإمكانات للتحرر من تلك الأجواء محدودة بشكل لا يصدق. لذا فإن أي دعوةٍ للتغيير يرحّب بها، والرحلة إلى جزيرة فيلكا حدثٌ بعينه.

إلى فيلكا أكثر من 3 ساعات

لن يُقدّم لنا (الفوريلا)( سمك نهري يستطاب طعمه في أوروبا- المترجم) طعاماً بالطبع، ولكن الميزة التي سأحصل عليها هو أنني سوف أتخلص من الثرثرة اليومية، وسوف أرى شيئا آخر غير الطريق المعتاد إلى البيت وساحة الصفاة والمعسكر؛ وسوف لا انطلق من شدة اليأس إلى الفحيحيل لأبتاع - دون حاجة من التجار الكشميرين - سقط المتاعٍ من النحاسٍ الذي يجلب من الهند. لا يستغرق الإبحار إلى الجزيرة أكثر من ثلاث ساعات، وبإمكان المسافر أن يعود قي ذات اليوم. ومع ذلك فما قمنا به من استعداد لهذه الرحلة يلائم رحلة سفاري لأربعة أسابيع. في فيلكا لا يوجد طعام، ففي بلدة الزور لن تجد حتى مقهى. ولذا فعلى المسافر أن يتزوّد.

وليس الإبحار في سفينة البوم بالأمر المريح، فيلزم أيضاً اصطحاب فرشٍ ووسائد. ولأنها رحلةٌ في البحر فلا بد من عصي وسنارة، ومختلف أنواع الطعوم وأدوات الصيد.أهم ما في هذه الرحلة هو برميل المهملات الذي وضع موثقاً على متن السفينة!

لا بد أن يكون جديداً وبنصف طول الرجل، وقد مُلئ بالثلج. هناك ستوضع الجعّة التي ليس لمثل هذه الرحلة أن تتم بلاها. وستشغل جميع الفجوات بين الثلج وعلب الجعّة بقطع دجاجٍ للقلي وبطعوم صيد.

لقد كان صباح يوم جمعةٍ مشرق. وقد كان الطقس أقرب للربيع منه إلى حرارة الصيف. نسمة لطيفة تهب فوق مياه الخليج، وقرص الشمس قد تبعثر فوق الأمواج الصغيرة وقد أشبع مياه الخليج بكم من الدرر المتلألئة.

وقف قبطان السفينة وبحّاره منتظرين على الرصيف الإسمنتي وقد بدا النهار رومانسياً ومفعماً بروح المغامرة. الصاري والشراع يستخدمان في أعالي البحار وفي الرحلات الطويلة، أما في الإبحار إلى فيلكا فسيشغل محرك الديزل.

وصل (هُغ ماكسويل) بسيارته النقل الصفراء تماماً في الموعد وقد أحضر برميل المهملات والثلج وكذلك صندوقاً عظيماً مليئاً بكلّ ما يمكن احتساؤه. حمل يده في عصا سنارةٍ من أفخر الأنواع وثبّت على حافة قبعته جميع الطعوم والسنّارات، تلك التي يحتاجها كل صيّاد سمك. تزوّد (هُغ)أيضاً بحبلٍ من النايلون بسماكة الإصبع وبسنارةٍ بعرض الكف لصيد سمك القرش. أتى (هرب بدولف) مع زوجته وولديهما النابهين. وعلى الأخص لهذين الغلامين سيكون هذا اليوم حدثاً هاماً؛ فهما وإن طافا حول نصف العالم فسفينةٍ شراعيةٍ لم تطأها أقدامهما بعد.

2008-2009 جميع الحقوق محفوظة لشركة الرؤيه للخدمات الإعلامية ©


Source URL (retrieved on 2009/01/09 - 08:19): http://www.arrouiah.com/node/33766