Published on جريدة الرؤية (http://www.arrouiah.com)
أحمد يغوص 30 متراً دون بدلة غطس مثل صيادي اللؤلؤ في الخليج
 مالغرو« صرخ قائلاً: لخمةٌ عظيمة هناك في الأعماق... لقد همّت بمهاجمت

الخميس, 24 يوليو 2008
ترجمة د. محمد بن عصام السبيعي

في الحلقة الماضية تكلم المؤلف على ان الميناء لا يقوم بالمصافحة الرقيقة وانما بجهد 800 رجل من الانجاز والانتاجية والتصوير البياني والحسابات الشهرية وذلك للتقدم في العمل وفق لما هو مخطط له، مثل هذه الاوركسترا العملاقة ليس لأحد أن يعزف نشازا بها، لذلك احتاج المشروع الى غطاسين من الخارج يتميزون بمواصفات معينة، وايضا بغواصين من الكويت، حيث اشتهرت الكويت بوفرة الرجال الذين لديهم خبرة كبيرة في مجال الغوص على اللؤلؤ. هنا في النهاية الشرقية للرصيف لا يتجاوز عمق الماء الستة أمتار، أي العمق المثالي لاختبار هذه المعدات الجديدة للغطس.

وجه (دون) الغطاس ملأه الفزع

في ذلك الصباح كان الوقت جزراً ولم يتجاوز عمق الماء أربعة الأمتار. لعل (دون مالغرو) قد راقب مرةً غطاساً أثناء عمله، ولعله أيضاً قد قرأ كتيباً حول هذه المهنة غير الاعتيادية، أما الغطس فلم يعهده في حياته بتاتاً. فلحظة ارتمائه من السلم خلفاً إلى الماء غاصت الخوذة بينما ظلّت مؤخرته المليئة بالهواء طافية كسدادة فلين. شدّ العمال العرب بطونهم من شدة الضحك وجعلوه يتخبط قليلاً قبل أن يشدوه معتدلاً بواسطة الحبل. لقد كانوا يشدوه عالياً حتى كُنّا نرى من خلال نافذة الخوذة وجه (دون) وقد ملأه الفزع، ثم يهبطوه رويداً، رويداً إلى الأعماق. وبواسطة ما يمسكوه من حبال يعلم المساعدون بأن (دون مالغرو) قد أدرك القاع. قال كبير المساعدين وهو يهز رأسَه مستغرباً «إنه يطلب النجدة». فـ(أحمد) هذا يغوص لثلاثين متراً في الأعماق دون بدلة غطس، شأن الكثير من صيادي اللؤلؤ في الخليج، ولا يستطيع أن يفهم سر كل هذه الجلبة. أحمد : «انتبه سأرفعه الآن عالياً» قال ذلك متشفياً ثم أدار الهواء ليخرج (دون مالغرو) كما لو قفز من الماء... غمره مرة أخرى ليخرجه من جديد بسرعة. يعلم أحمد بأنه لا يمكن حدوث أيّ أذى في مثل هذه الأعماق وظروف الضغط البسيطة، ولكنه سأم تماماً هذا المدّعي. وفي النهاية سحبوا الغطاس إلى الرصيف وحرروه من خوذته. وقد كان (دون مالغرو) كما لو فارق الحياة، فوجهه قد بدا أشهب وقد وسمه الفزع: «لخمةٌ عظيمة هناك في الأعماق... لقد همّت بمهاجمتي... لخمة...».

معداتنا تطرد الأسماك

بالنظر إلى ما يحدثه عمل معداتنا يوماً بعد يوم من ضوضاءٍ هائلة لا يوجد بقرب الرصيف حتى صغار الأسماك، وكلٌ يعلم بأن اللخمة لا تعيش هنا. كل ما هنالك هو أن الرعب قد ملأ قلب (دون مالغرو) حين طُلب منه النزول إلى الماء العكر، والجميع الآن يضحك وهم يحررونه مما بلّله من أردية. لقد سقط تماماً من الأعين... أما ما بحوزته من عقد عمل فلن يتخلى عنه بسهولة! فهو يعلم بأن مثل هذا العقد لن يحصل عليه بسرعة مرة أخرى.

ليس لدينا في الحقيقة حاجة لغطاسي فحص، ذلك لأننا ننجز عملنا بجودةٍ عالية. أكثر من ذلك أنه أمر لا جدوى منه أن نتفحص سيخا حديديا وحتى وإن لم يمضِ على زرعه أكثر من أربعة أيام؛ فالمحار يبدأ نشاطه مباشرةً ويغطيه بطبقةٍ سميكةٍ وحادةٍ كالسكّين. وحتى وإن لاحت لنا حاجة لغطّاس فإننا لا نطيل البحث، فلحظتها سيثب أحد الفلبينيين إلى الماء ويظل تحت الماء لثلاث دقائق، وبلا نظارة. مسؤولو دائرة الاشغال العامة الذين وظفوا (دون مالغرو) لا يودّون الآن أن يعلموا عنه شيئاً. ومع ذلك فقد تركوه يمضي فترة عقده، وأخذوا يعدون الأسابيع حتى حين التخلّص منه.

حيلة البدانة وبدلات الغطس

والآن لم يعد تكليف (دون مالغرو) بالغطس ممكناً، فقد اجتهد حتى أدرك هذه النتيجة. لقد عثر على حيلةٍ أقل ما يقال عنها إنّها مبتكرة: شرع (دون مالغرو) يأكل بنهم. لقد كان يأكل ويأكل حتى أصبح في وقت قصير من البدانة لم يعد يناسبه أيُّ مقاسٍ من بذلات الغطس، أجل حتى أصبح بالكاد يحشر نفسه خلف مقود سيارته الجاكوار إس.إس. مع بدء موجة الحرارة الكبرى في منتصف مايو كان عقد (دون مالغرو) قد نفد، الجاكوار إس.إس. باعها لـ (بيتر بلومتري) لقاء ثمنٍ زهيد. أما أولئك الذين استقدموه فقد أثار حنقهم حتى أنهم سمحوا له، دون أيِّ التزام، بالمغادرة إلى سنغافورة برجاء ألا يروه مرةً أخرى. ومن يعرّف نفسه في الكويت بعد اليوم كغطّاس فعليه أن يعي ما يقول...

تجهيزات الرصيف تحرز تقدماً سريعاً

حين باشرنا العمل في صباح أحد أيام مستهل شهر مارس افتقدنا شيئاً، وبعد وهلة لاحظنا بأن الريح قد هدأت. وفجأة أصبح الطقس دفيئاً، وبدأ امتع فصول السنة. في فصل الشتاء القارس هذا، وهو واحد من أبرد ما مر على الكويت منذ سنوات عديدة، بذلنا مجهوداً جباراً. ونحن الآن نسبق الخطة الموضوعة بفارق يعادل أشهراً. بناء تجهيزات الرصيف كان يحرز تقدماً سريعاً، فمع الوقت اعتاد العمّال المحليون العمل وعرفوا طرق التناول مما يسّر لهم العمل. لقد أضحى العمل ضرباً من الرياضة، فنعمل كل ما نستطيع عمله لنحطّم ما هو موجود من أرقام قياسية؛ لنزرع كل شهرٍ المزيد من الأسياخ الحديدية ولنسكب المزيد من الصفائح ونبلّطها. وأفضل رقم حقّقناه كان ذلك في مارس: فقد غرسنا في أحد الأيام ثلاثة وخمسين سيخا حديديا.

نسف الشعاب

قطع الحفّار شوطاً كبيراً في حفر الممر المائي. وقد أنجز أيضاً حوض الانعطاف. ومع ذلك فالشعاب المرجانية لم تمس حتى الآن، والكل في الكويت ينتظر بفارغ الصبر كيف سنحلّ هذه المعضلة. وهنا أيضاً نجعل الخبرة الكبيرة لخبرائنا التي طالت جميع الاختصاصات تتحدث: ستبنى سفينةٌ بأربعة أبراج تتولى أعمال الحفر. سنحفر الشعاب ثم ننسفها بمواد متفجرة.لأجل تلك المهمّة استقدمت شركتنا خبير متفجرات من غويانا البريطانية. رجلٌ هادئ الطبع، وبفعل تواتر عمله مع المواد المتفجرة، انطوائي. «النسف بحد ذاته لن ينجز المهمّة فلا بد بعد ذلك من نقل قطع الصخور إلى اليابسة». هذا ما كان يدور على الألسن هنا وهناك. وقد لاحظنا بوضوح بأن هناك من يشكّك في قدرتنا على تذليل هذه المهمّة. نحن لا نفكر البتة في نقل الشعاب الصخرية التي سيجري نسفها التي تقع في الممر المائي إلى اليابسة، بل سنجرف تلك القطع بواسطة الحفّار تحت ضغطٍ عال إلى أعماق البحر، أي سنغرقها! وحتى هذا الحل البسيط يتطلب قدراً من الخبرة.

2008-2009 جميع الحقوق محفوظة لشركة الرؤيه للخدمات الإعلامية ©


Source URL (retrieved on 2009/01/09 - 07:13): http://www.arrouiah.com/node/33555