كلمات اللطف الأبوي والحنان الأمومي، التي يعـــبّر عنــها بنبرة الصوت العذب، والدفء لها من القوة المنشطة ما لا يجده الشبان والفتيات
في حيـاة بعض الفتيات والشبان أكـثر من (فراغ عاطفي) أي إن هناك هوّة عاطفية تنجم عادة من أجواء أسرية خانقة لا يجد فيه الشاب والفتاة ملاذه الآمن، فيحاول أن يبحث عن المعوّضات التي تسدّ له هذا النقص، أو تردم له تلك الهوّة.
ميل بعض أبنائنا إلى العم أو الخال أو الجد والجدة، هو-أحياناً- بسبب من هذا الفراغ، وتعلق بعض الصبايا من الفتيات برجال كبار في السنّ، ربما يكون-في أحد أسبابه-افتقاده للحنان الأبوي وعثورهم عليه عند غير الأب-وفي الدراسات والبحوث الجنائية اتضح أن أحد أهم عوامل الجنوح إلى الجريمة.. هو النقصّ الحاد في التغذية العاطفية للجاني، كما تبين من دراسات اجتماعية ونفسية أخرى أن رغبة بعض الطلبة من الشباب والفتيات بالدروس الخصوصية ليس عدم الاستيعاب في غرفة الدرس، وإنما لعوامل غير مباشرة من بينها الظمأ العاطفي الذي يعبّر عن نفسه بأشكال مختلفة.
وإذا كان المربي الإسلامي يشدّد على أهمية احتضان ورعاية وكفالة اليتيم، وتمسيد رأسه وعدم تحسيسه بوقع الفقد عليه من خلالالاقتصاد أو التحسّب أو التحفّظ العاطفي إزاء الأبناء في حضرته، فإن هذه اللفتات كلّها توحي بأن الفراغ العاطفي أو النفسيالذي يخلّفه اليتم كبير، ولابد من السعي لإكماله واتمامه بنحو أو بآخر حتى يتجاوز اليتيم عقبة اليتم ويخرج إلى الحياة معافياً من عقدة النقص العاطفي التي لو استشرت لدفعت إلى الجنحة والجريمة والإحساس بالجفاء والجفاف الاجتماعي.
ولا نريد الاستطراد في أمثلة القارئ على معرفة بالكثير منها أن على صعيد الحياة الزوجية أو الحياة الأسرية بشكل عام، ولكل انعكاسه على حياة الشاب أو الفتاة بدرجة وبأخرى.
كيف يمكن أن نتفادى هذا النقص أو الفراغ، بما يمكن أن يحقّق الارتواء العاطفي، أو ما يطلق عليه أحياناً (الإشباع العاطفي) منذ اللحظات الأولى للولادة والطفل يلوذ بصدر أمه لا ليرتوي من لبنها فحسب، فقد تعوضه البدائل اللبنية عن النقص الحاصل في كمية اللبن-وإنما بحثاً عن (الأمان) الذي عاشه في (أحشائها) وهو ينشده في (أحضانها)، ولعلّ نظراته المشدودة إلى عينيها، ودقات قلبها المتناغمة مع دقات قلبه اللصيق بها يشعرانه بالأمان المفتقد هناك، ولم أنس-ما حييت-مشهد الأطفال الرضع في معمل للنسيج أكثر عماله من النساء، حيث أفردت غرفة خاصة لرعاية الأطفال الذين بدوا كأيتام، وكان بعضهم قد أعرب
عن احتجاجه برفضه تناول ما في الزجاجة المرمية بالقرب منه من حليب! قبلات الوالدين لأولادهم زَخَمٌ وشحنٌ عاطفي لا يستغنون عنه كما لا يستغنون عن غذائهم وشرابهم، وقد يصبرون على هذا.. لكنهم لا يصبرون على ذاك، وكم استغرب النبي (ﷺ) من ذلك الأب (الأقرع بن حابس) الذي رأى النبي (ﷺ) يقبل الحسن والحسين (عليهما السلام) فقال له: لي عشرة أولاد لم أقبّل أحداً منهم، فقال له النبي (ﷺ) فيما مضمونه: “إنك رجل نزعت الرحمة من قلبه”!
إنّ كلمات اللطف الأبوي والحنان الأمومي والعاطفة الرقيقة التي يعبّر عنها بنبرة الصوت العذب، والدفء الغامر، لها من القوة المنشطة ما لا يجده الشبان والفتيات والصبايا والصبيان في أقوى المنشطات المتوافرة في الصيدليات على الإطلاق. إن احتضان خطأ أبنائنا برفق، وتقدير مشاعرهم بعمق، والانتباه إلى ما يجرحهم من كلمات أو أفعال، وأشعارهم أن البيت هو الملجأ، وأن صدر الأم لا يعوض، وأن كتف الأب لا يستبدل. وأن جلسة حميمة تغدق فيها المشاعر على مصاب أو منكوب أو جريح نفسياً لهي مما لا يحصى ثوابه إلا الله فضلاً عما تؤمّنه من أمصال الوقاية من الانهيار النفسي الذي يتعرّض له المصاب بـ (الفراغ العاطفي).