وائل الإبراشي: إندونيسيا احتاجت
6 سنوات للتحول إلى الديموقراطية.. وفي مصر يرون الوقت مبكراً

* بدأت حواري مع الرجل حول مستقبل هذا الوطن، حول الخريطة المفقودة للإصلاح المنشود، بعيدًا عن قسوة الواقع ومرارة تفاصيله فقال الرجل:
- المستقبل يشغلنا جميعًا رغم انشغالنا بقسوة الحاضر، ورغم محاولاتنا التغلب على أخطاء وخطايا الماضي الذي ورثناه، ودائمًا عيوننا على المستقبل، والأسئلة المتعلقة بالمستقبل في غاية الأهمية.. وفي رأيي أن القواعد الأساسية التي ينبغي أن ننطلق منها صوب المستقبل المأمول كما يلي:
البداية لابد وأكرر لابد أن نبدأ من الإصلاح السياسي الحقيقي وليس الوهمي، فلا يمكن أن أستطيع بناء الدور التاسع قبل الانتهاء من بناء القواعد والأساسات، إننا الآن كمن قرر البدء في بناء الدور التاسع قبل البدء في تجهيز الأعمدة والأساسات، وحتى ننطلق من الواقع فلابد أن نتعامل مع ما هو موجود الآن، فليس هناك ما يمنع من التعامل مع الأطروحات الحكومية للإصلاح السياسي، أبدأ بالمادة 76 والمادة 77 من الدستور، فإعادة تعديل المادة 76 من جديد يمكن أن يشكل أساسًا للإصلاح السياسي، صحيح نحن نحتاج إلى إصلاح سياسي أكثر شمولاً واتساعًا، لكننا سنتعامل مع الواقع، فتعديل المادة 76 هو أساس الديمقراطية في مصر وهو تداول السلطة، هذه المادة يمكن أن تضمن انتخابات رئاسية حقيقية يعاد تعديلها، بحيث إنها تخفف من القيود ومن الأعباء التي يمكن أن تفرض على البعض خاصة المستقلين، خاصة أنه لا توجد في مصر أحزاب قوية، حيث تم إجهاض الأحزاب وإضعاف دورها، وتجد من يقول إن الحياة السياسية في أوروبا وأميركا لا ينطلق منها أحد كمستقل ولكن من خلال أحزاب، فالأحزاب دائمًا هي التي تفرز السياسيين، لكن الواقع هنا مغاير تمامًا، حيث تم إضعاف الأحزاب، ولا تجوز المقارنة هنا، حيث توجد أحزاب قوية ومتنافسة في أوروبا وأميركا، أما في مصر فلا توجد أحزاب سياسية.. إذن دعونا نتفق على أن الديمقراطية الحقيقية تعني تداول السلطة، وأي مفهوم آخر هو بالبلدي (ضحك على الدقون) وبعد تعديل المادة 76 يتم تعديل المادة 77 بما يؤكد أن مدة الرئاسة يجب ألا تزيد على فترتين، وذلك لضمان تداول السلطة وعدم بقاء الرئيس في السلطة مدى الحياة، وأعتقد أنه إذا كان هناك توجه من النظام الحالي بالتحول من نظام الانتخاب إلى نظام الاستفتاء، فمن هنا نستطيع أن ننطلق مما تم إنجازه، ومن الواقع الموجود بالفعل، ويمكن في هذا الصدد التعامل مع الجميع بما فيهم الحزب الوطني ذاته، وننحي فكرة وثقافة الصدام مع النظام، لسنا بصدد قضايا شخصية، إما أنا وإما أنت.. إننا بصدد قضية الوطن، فالوطن أهم مني ومنك ومن الجميع، ويجب أن يكون الشعار: تعالوا جميعًا نبني الوطن ونخطط للمستقبل..
المحور الثاني للانطلاق نحو المستقبل هو قضية الإصلاح القضائي، وقضية الإصلاح القضائي شغلت الناس في مصر كثيرًا، وتحولت إلى قضية شعبية، لأن القضية ليست قضية مطالب القضاة لكنها قضية متعلقة بالناس والجماهير، بحق التقاضي وتطبيق قواعد العدالة وإحساس المواطن بالطمأنينة وبأن هناك من يقضي بالعدل، وهناك أيضًا من يرغب ويقدر على تنفيذ أحكام القضاء، وكما قلت فإنه بدون الوصول للمفهوم الحقيقي للديمقراطية وهو تداول السلطة فلن يكون هناك إصلاح لأي شيء، ولن يكون هناك توجه نحو المستقبل..
أما المحور الثالث من المحاور الأساسية للانطلاق نحو المستقبل فهو الإيمان بفكرة التعددية وبالدولة المدنية والحياة الحزبية الحقيقية وليست الوهمية، ويجب أن يتخلى الحزب الوطني عن سياسة إضعاف الأحزاب وعقد صفقات مع الأحزاب، لأن الأحزاب في مصر ماتت بسبب عقد الصفقات مع الحزب الوطني، ولابد أن تتاح الفرصة لنشأة أحزاب جديدة دون قيود حتى تكون هناك أحزاب تستطيع أن تنزل إلى الشارع وتلتحم بالجماهير وفقًا للقوانين، نحن لا نطالب بأن تنزل الأحزاب إلى الشارع لتحطم وتشاغب وتخرب، إنما نطالبها بأن تنزل إلى الشارع كي تتفاعل مع الجماهير وتستطيع أن تبني قاعدة جماهيرية تؤمن بأفكار هذا الحزب أو ذاك، وهنا أتذكر ما قلته للدكتور أسامة الغزالي حرب بأنني أتوقع أن يكون حزب الجبهة حزبًا مكتبيًا لا أن يكون حزبًا جماهيريًا، وهنا أيضًا أتذكر أن أهم ما ميز السيدة العظيمة «بيناظير بوتو» أنها فهمت أن السياسة هي الالتحام بالجماهير من خلال النزول للشارع، وكانت تستطيع أن تجلس في حصن منيع وتختفي عن الأنظار تمامًا، لذلك قال الرئيس الباكستاني برفيز مشرف (لقد قتلت بيناظير بوتو نفسها بنزولها إلى الشارع) وأعتقد أن هذا القول غير صحيح، فهي لم تقتل نفسها، لكنها مارست السياسة بطريقة سليمة.. وهنا في مصر يجب عمل قواعد لبناء حياة حزبية تضمن للأحزاب أن تنزل إلى الشارع بشكل سلمي وحضاري وقانوني لا بشكل فوضوي..
أما القاعدة الرابعة الواجب الاهتمام بها للانطلاق نحو المستقبل فلابد أن تكون الجانب الاقتصادي والاجتماعي، فلا يمكن أن تتحدث مع المرضى والجوعى عن الديمقراطية وتداول السلطة!.. كيف يتفاعل معك هذا المواطن الجائع المريض وأنت تحدثه عن صناديق الانتخابات وعن الإيجابية السياسية؟!.. أولاً يجب ألا نتاجر بمحدودي الدخل.. فكل يوم نستمع إلى شعارات من عينة لا مساس بمحدودي الدخل، والحقيقة أن هناك اعتداءات يومية على محدودي الدخل، لابد من ضمان حياة اقتصادية واجتماعية سليمة، ولابد من حماية الناس من البطالة والغلاء والمرض والمعاناة أولاً حتى يستطيع هؤلاء المواطنون أن يتفاعلوا ويستمعوا إلى ما يقال عن الإصلاح السياسي، والمشكلة الحقيقية أننا رسخنا في أذهان الناس أن الانتخابات يتم تزويرها، والصناديق يتم تقفيلها، وأن نتائج الانتخابات معلومة مسبقًا، ونأتي بعد ذلك ونطلب من المواطن أن يخرج ويشارك!!.. أعتقد أن هناك ما يتحتم علينا أن نقوم به الآن كي نجري حوارًا جادًا حول المستقبل.. لابد من الدفاع الحقيقي عن محدود الدخل..
* قاطعت وائل الإبراشي وسألته: من الذي يجب عليه أن يدافع عن محدودي الدخل، فالدولة لم ولن تدافع عن هؤلاء؟!
- الدولة هي التي تمتلك كل الصلاحيات، فلا يمكن للدولة بكل مؤسساتها وأدواتها أن تقف عاجزة عن السيطرة على الأسعار، فكيف يعقل أننا نجلس معًا للحديث عن المستقبل وهناك الآن من يموتون في طوابير الخبز، وهناك من يموتون من الجوع، لقد كانت المقولة الشهيرة (محدش بينام جعان ومحدش بيموت من الجوع) حقيقة طوال حياتنا، أما الآن فبالفعل هناك من يموتون الآن من الجوع في مصر، إذن لابد من حماية الناس من الأعباء المعيشية العنيفة..
القاعدة الخامسة للانطلاق للمستقبل احترام حرية وكرامة المواطن، فلابد من انتهاء كل مظاهر العنف والقمع وإهدار آدمية الإنسان والتعذيب في أقسام البوليس.. إن أخطر ما يهدد مستقبل هذا الوطن هو شيوع ثقافة الخوف في المجتمع، الناس تخشى حتى من المرور أمام أقسام البوليس، وتخشى من التعامل مع الجهات الحكومية، لابد أن ننشر في المجتمع ثقافة الحرية الحقيقية والإحساس بالكرامة ونقضي تمامًا على ثقافة الخوف في المجتمع المصري.
بيد أننا لو قمنا بإعداد وتجهيز مجموعة من التشريعات تتعلق بهذه القواعد التي تحدثنا عنها يمكن أن ننطلق إلى المستقبل، ويمكن أن نبحث عن حلول تتعلق بمستقبل مصر، فالأساس أن يكون هناك إصلاح سياسي حقيقي ليكون لدينا تداول للسلطة.. أما حكاية (ليس هذا وقته) فهذه الجملة هي التي طغت على مصر، فإندونسيا احتاجت ست سنوات فقط كي تتحول إلى الديمقراطية الشاملة والكاملة، وأرى أنه من العيب جدًا أن نقول أو نسمع من يقول إن الشعب المصري لا يستحق الديمقراطية الكاملة والشاملة والفورية، وأنا على ثقة بأننا إذا بدأنا في الإصلاح السياسي من خلال احترام إرادة الجماهير فحتمًا سنصل إلى ما نريد
* سألت وائل الإبراشي عن قراءته ورؤيته للتغيرات التي حدثت داخل المجتمع المصري خلال العقود القليلة الماضية، وما مدى تأثير تلك التغيرات على الشخصية المصرية سلبًا أو إيجابًا؟.. فقال:
- لاشك أن هناك تطورات حدثت فيما يخص المكاسب السياسية وفيما يتعلق بالحريات، ولا يستطيع أي منصف أن ينكر أن هناك تقدمًا في هذا الصدد، وعندما نتحدث عن حرية الصحافة نقول إنها أعظم ما تم إنجازه في هذا العصر، أنا الآن أكتب دونما رقيب سوى ضميري، فحرية الصحافة رغم أنها أعظم إنجازات هذا العصر إلا أنه يجب ألا يتم التعامل مع حرية الصحافة على أنها منحة يمكن أن تمنحها لنا الحكومة في أي وقت وتسحبها منّا في أي وقت، هي ليست منحة ولكنها حق أصيل للمجتمع.. المهم أن نبدأ في البناء ونستكمل على ما تم إنجازه بالفعل، وكما قلت من قبل يجب أن نبدأ بالمادة 76 من الدستور أولاً.. أن نبدأ من الواقع، ولم أقل يجب أن نعد دستورًا على غرار الدساتير الأوروبية مرة واحدة، فنبدأ بالمادتين 76، 77 من الدستور، وهاتين المادتين من الممكن أن تضمنا حياة سياسية سليمة.
فمن حيث الشكل هناك حزمة من الإنجازات، أما المضمون فهو الأهم على الإطلاق خلال هذه المرحلة، فلابد أن أكون مؤمنًا بأن مصر تستحق أكثر من هذا، فمصر تستحق حياة ديمقراطية شاملة وكاملة، وأرى أيضًا أن هناك مخاوف عديدة من آلية نقل وتداول السلطة، وهناك مخاوف أخرى تتعلق بانهيار الأوضاع المعيشية والحياتية بسبب سيطرة قلة من رجال الأعمال الذين يحتكرون كل شيء في مصر.. فنحن نرى أن القرارات والخطوات الاقتصادية في مصر تتم من أجل عيون ومصالح ستة أو سبعة من رجال الأعمال الذين يسيطرون على الأسواق، وهناك مخاوف تتعلق بالفساد، فالفساد في مصر يزداد حتى تحول إلى ما يشبه ثقافة المجتمع، حيث انتقلت عدوى الفساد من كبار الموظفين إلى صغارهم، للأسف الشديد، وهنا يجب القضاء على ثقافة الفساد.. لابد من إغلاق كل القنوات التي يمكن أن تؤدي إلى الفساد، لابد من محاكمة كل الفاسدين وعدم التستر عليهم، هناك مخاوف حقيقية من الاكتفاء بديكورية وصورية وشكلية الإصلاح على حساب الجوهر والمضمون..
* قلت للأستاذ وائل الإبراشي: بيد أن الطبقة الوسطى تآكلت وضاعت تحت عجلات قطار الرأسمالية المتوحشة، ولم تستطع الحكومات الحالمة والضعيفة أن تبقي على تلك الطبقة على قيد الحياة.. أين ذهبت الطبقة الوسطى في مصر؟!.
- بالفعل تآكلت الطبقة الوسطى، وللأسف الشديد فمصر مطحونة بين حفنة من الأثرياء وأغلبية كاسحة من المطحونين والفقراء، فالطبقة الوسطى تآكلت تمامًا بسبب الانهيار المعيشي والاقتصادي والثقافي، فالطبقة الوسطى هي صمام الأمان في المجتمع، هي التي تحدث التوازن، هي رمانة الميزان، وتآكل هذه الطبقة يؤكد أن الأوضاع الاقتصادية والثقافية في مصر ليست بخير، ولابد من إعادة الاعتبار للطبقة الوسطى من خلال مجموعة من الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لأن هذه الطبقة وكما قلنا هي رمانة الميزان..
والوضع الاجتماعي في مصر وضع مؤسف جدًا، حيث إن هناك مجموعة تحتكر كل شيء، وغالبية الشباب يرفعون شعار «أنا ميت ميت» ولنا في الشباب الذي قرر أن يهاجر ويهجر مصر بأي ثمن حتى ولو كان هذا الثمن هو حياته ذاتها الأسوة الحسنة!!..
* البطالة المتوحشة قضت اجتماعيًا على الشباب، نفسيًا ومعنويًا أنت تتعامل مع شباب مدمر يجلس على المقاهي بلا عمل.. فماذا تنتظر من هؤلاء الشباب؟!
أنا أرى أن قضية البطالة حياة أو موت.. الآن لا توجد عمالة مصرية بالخليج، وبعد 11 سبتمبر أغلقت أبواب أوروبا وأميركا أمام الجميع.. الخلاصة أن السفر لم يعد محطة للأحلام.. ومن ناحية أخرى لم يعد البلد من الداخل محطة للأحلام، لأنه لا توجد فرص عمل حقيقية ولا توجد مصانع تستوعب كل هذه الأعداد التي تقف في طوابير البطالة، الانهيار المعيشي والحياتي جعل الناس تموت ببطء، وأنا أسمي هذه الحالة بحالة (الموت البطيء).. لذلك يجب أن نكون شكسبيريين -أكون أو لا أكون- فقضية البطالة وكما قلنا -ولن نمل القول- قضية حياة أو موت، لابد أن ننظر إلى تلك القضية بموضوعية ولا نلتفت إلى الأرقام الحكومية الوهمية، تلك الأرقام التي يتعامل معها الناس بمنطق النكتة، ونحن نتكلم ونحلم ونخطط للمستقبل أخشى ما أخشاه هو أن يؤدي تزايد معدلات البطالة إلى الهروب مرة أخرى إلى التطرف الديني وإلى العنف، وإن كان الإرهاب المسلح قد انحسر وتمت محاصرته وتجفيف منابعه، لكن أنا متخوف جدًا أن يعود من البطالة والعشوائيات والفقر..
* قاطعت الأستاذ وائل الإبراشي: أين دور المواطن؟ لماذا كل هذه السلبية من المواطن المصري تجاه حاضره ومستقبله؟ لماذا لا يثور ويعترض ويوصل وجهة نظره إلى حكامه؟.. رد الأستاذ وائل الإبراشي بقوله:
- دعني أختلف معك قليلاً فيما قلت بشأن سلبية المجتمع المصري، فثقافة الاحتجاج زادت في مصر في الفترة الأخيرة، فعندما سألت عن وثيقة البث الفضائي الجديدة والتي أقرها وزراء الإعلام العرب في القاهرة، قال لي أحد المسؤولين إن السبب الأساسي أن الفضائيات زودت من وعي الناس وزودت ثقافة الاحتجاج التي بدأت تنتقل من فئة إلى أخرى، فمن العمال إلى الموظفين إلى الفلاحين بدأت ثقافة الاحتجاج من فئة إلى أخرى، وأنت تسألني أين الناس؟! أقول لك الناس محصورة بين البحث عن لقمة العيش ومحاصرة بثقافة الخوف!!
وهنا أتذكر تلك الواقعة الحقيقية والتي توضح إلى أي مدى أثرت الفضائيات في زيادة وعي المواطن البسيط.. أحد ضباط الأمن دخل منزل مواطن بسيط جدًا فسأله ذلك المواطن ببساطة شديدة (إنت معاك إذن نيابة؟) فرد عليه الضابط بقوله (إذن نيابة يا كلب! الفضائيات بوظتكم!).. لذلك أنا لديّ قناعة بأن حرية الصحافة والإعلام هي أهم إنجازات هذا العصر، ودائمًا ما أدعو إلى ضرورة الحفاظ عليها بأي طريقة لأن الفضائيات ساعدت في رفع الوعي ونشرت ثقافة الاحتجاج، وكل ما نحتاجه هو تنظيم ثقافة الاحتجاج حتى لا نكون فوضويين، وهذا الاحتجاج لابد أن يكون سلميًا وحضاريًا مثلما حدث في حالة موظفي الضرائب العقارية في احتجاجهم لنيل مطالبهم وحقوقهم من الدولة، وهذا هو النموذج المطلوب للاحتجاج والاعتصام..
* سألت وائل الإبراشي عن التاريخ وكتابته وكتبه، وقلت له إن الأمم والشعوب لا تستطيع أن تغير الماضي لكنها تراهن على تغيير المستقبل إلى الأفضل، بيد أننا نعيش حالة مغايرة.. إننا تركنا مستقبلنا ليصنعه غيرنا، وبدأنا رحلة تغيير الماضي عبر الكتابات الخاطئة للتاريخ.. وائل الإبراشي.. من يكتب تاريخ هذا الوطن؟!
- التاريخ لن يكتبه أبداً من يعتدون على الحرية والديمقراطية، أو الذين يشنقون مصالح الشعب، التاريخ لا يستطيع أن يكتبه إلا الذين يحملون ولاءً شديدًا لهذا الوطن وليس للنظام أو السلطة، من المؤسف أن نشغل أنفسنا بالجدل حول قضيا تتعلق بالماضي، نستنزف مجهودنا في الحديث حول قضايا جدلية تتعلق بالماضي وننسى المستقبل، لكن يجب أن تكون أعيننا على المستقبل، صحيح أن هناك عملية تزييف للتاريخ تحدث، لكن لن نستطيع أن نعود إلى الطرح الذي ينادي بتشكيل لجنة لكتابة التاريخ لأنها ببساطة فشلت من قبل، ويجب أن نضع في الاعتبار أن فكر ونظرة ورؤية الشباب قد تغيرت كثيرًا لكثير من الأمور، ومنها التاريخ ذاته.. يجب أن يكتب التاريخ بعيدًا عن الأغراض السياسية، وهنا نلاحظ أن هناك توجهات وأغراضًا سياسية تسيطر دائمًا على من يكتبون التاريخ، فكل يكتب حسب مرجعياته ورؤاه، فحزب الوفد يكتب التاريخ من وجهة نظره، وحزب التجمع يكتب من وجهة نظره، والحزب الناصري يكتب من وجهة نظره، والحزب الوطني يكتب من وجهة نظره، وهكذا يكتب التاريخ من زوايا ضيقة وبنظرة أكثر ضيقًا، وهو ما حدث نفسه في العهود الأموية والعباسية، فكل خليفة يأتي يحاول أن يمحوا إنجازات سابقه ويبدأ في كتابة التاريخ من جديد، فالتاريخ يجب أن يبعد تمامًا عن الهدف السياسي، حتى لا يوظف التاريخ لخدمة الأغراض السياسية، وهذه الإشكالية مسؤولية الحزب الوطني وكل الأحزاب السياسية وكذلك المثقفين بجميع توجهاتهم وأفكارهم، لابد أن تكون لدينا الشجاعة الكافية للاعتراف بالأخطاء التاريخية التي لا توافق أهواءنا وتوجهاتنا ولا تتفق مع أحكامنا المسبقة..
* وكان آخر محاور النقاش مع وائل الإبراشي حول بث روح التفاؤل وبعث الأمل لدى الجماهير.. فبادرني وائل الإبراشي بقوله:
- بشرط ألا يكون تفاؤلاً كاذبًا.. فأنا ضد صناعة التفاؤل الكاذب، ودائمًا ما نقول إن أكبر مؤامرة يمكن أن تمارس على الشعب هي أن تصنع له التفاؤل الكاذب، أن تصنع له أرقامًا وهمية وأحلامًا وهمية، وكما يقول المثل الشعبي (تعملّه البحر طحينة).. أنا دائمًا مع صناعة التفاؤل، والصحافة عليها أن تعكس الأوضاع الحقيقية في مصر.. فإذا كان الواقع ذا ألوان بيضاء أو ألوان وردية يتم نقله بحقيقتها نفسها ودون تسويد، والعكس إذا كانت الصورة قاتمة وكئيبة لا يجوز أن نغير ذلك ونضحك على الناس وننقل لهم على ما يخالف الواقع، ودائمًا ما أقول إننا نكتب عن السواد بحثًا عن البياض، وعندما أكتب عن المآسي والكوارث أبحث دائمًا عن أطواق النجاة، فليس الهدف هو لطم الخدود وشق الجيوب والبكاء على اللبن المسكوب، لابد ونحن وسط الكوارث أن تكون أعيننا على أطواق النجاة والإنقاذ، فلابد أن يكون تفاؤلي صادقًا، فهناك أبواب للأمل، وهناك أبواب للتفاؤل والنجاة، والمشكلة أننا نعيش العديد من الأزمات والكوارث دون أن نجد الحلول، حتى بات الناس على قناعة بأنه لا توجد حلول حقيقية لهذه المشاكل والأزمات، والناس عمومًا يبحثون عن الأمل ويتفاعلون مع بارقة أمل من هنا أو من هناك، يجب أن يكون هناك مشروع قومي وقضية قومية يلتف حولها الناس، الناس لديها ولاء حتى في مباريات الكرة يجب أن نستثمره، وندرس بعناية لماذا نرى هذا الولاء والانتماء لفريق كرة ولا نجد ذلك لحزب سياسي!.. بيد أن الرياضة بها من الشفافية والحرية ما هو غير موجود في العمل السياسي..
القضية الأهم الآن هي البحث عن قضية مثلى يلتف حولها الناس.. القضية الآن كيف أستطيع أن أخلق الولاء والانتماء لدى جموع الشعب؟!.. دعونا نصنع التفاؤل سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.. دعونا نبحث عن أبواب ونوافذ يدخل منها الأمل والتفاؤل، دعونا نبحث عن الشموع والأضواء التي يمكن أن تضيء لنا الطريق نحو المستقبل.


















علِّق