صدام حسين لوزير الصناعة سنة 1990:
 « سوف نعطي عشرين ديناراً لكل قنبلة يصنعها الرجال»

الجمعة, 5 ديسمبر 2008
عرض: مجدي زهير


أرض المقابر

تحت هذا العنوان يتحدث روبرت فيسك عن الذين ماتوا ضحية لغيرهم ونتيجة لأعمالهم.. في تل متلة.. في 2 أغسطس 1991 بعد عام من احتلال جنود صدام حسين للكويت.. وبعد خمسة شهور من دفن الجنود الأميركيين لعشرات الجثث في قبر جماعي هناك.. ذهب فيسك مع كريستوفر جيرود مندوب الصليب الأحمر الدولي لإرشاده إلى حيث دفن الأميركيون الجنود العراقيين القتلى في ذلك المكان حيث وجد عشرات الجثث.. التي تم استخراجها وإعادتها للعراق..

كانت الجثث لجنود يرتدون ملابسهم الميدانية وبها بعض متعلقاتهم الشخصية وكان المفروض وفقا لاتفاقيات جنيف حصر الجثث وأخذ المتعلقات وإرسالها لذويهم مثلما يحدث في كل الحروب.. إلا هذه الحرب.. كان من بين القتلى مسلمون ومسيحيون وأكراد وأرمن.

يقول إنه حتى في الحرب العالمية في الثانية والحرب ضد الجيش.. النازي.. أحيطت جثث القتلى بكل العناية ودفنوا في مقابر منفردة.. يزوروهم أهليهم في المناسبات المختلفة.. وتوضع اسماءهم على نصب تذكاري.. إلا ضحايا هذه الحرب.

خسر الأميركيون 125 قتيلا وخسر الحلفاء سبعين قتيلا.. معروفون.. مكرمون بعد موتهم.. إلا هؤلاء..

بين الرمال بالقرب من هذا القبر الجماعي.. لمح أوراقا كثيرة.. وما يشبه السجل الضخم.. تناوله وفتحه ليجد فيه تسجيلا لاجتماع بين صدام حسين ووزير الصناعة العراقي في 28 فبراير 1990 قبل عام من دمار جيشه في صحراء الكويت.. من بين كلمات صدام في هذا الاجتماع: «سوف نعطي عشرين دينارا لكل قنبلة يصنعها الرجال في العراق.. اجعلوا مصانعنا تنتج خمسة آلاف قذيفة يوميا، دعوا مصانعنا المحلية تتنافس فيما بينها حتى تستطيع منافسة صناعة الأسلحة العالمية. علينا توفير ملايين الدولارات في الإنفاق العسكري، إذن نتدفق أكثر قليلا على صناعاتنا المحلية بحيث نستطيع الوصول إلى مرحلة نصبح فيها غير معتمدين كليا على السوق الدولية».

يقول فيسك إن القوات العراقية لم تكن هي سر قوة صدام حسين.. بل العالم الغربي هو الذي زوده بالقوة.. كانت بريطانيا ترسل إليه مواد نووية كما لو كان يخطط لإنتاج ضخم من الأسلحة. وكانت أميركا تدفع الأموال.. ويزوده الاتحاد السوفييتي بالدبابات والمدرعات التي هاجم بها الكويت.

وبعد هزيمته في الكويت سمح له الغرب بتدمير شعبه في الجنوب والشمال وفي ذكرى غزوه الفاشل في أغسطس 1991 قال إن العراق «ربح صراعا تاريخيا كبيرا! أما الرابح الحقيقي فكان الغرب الذي روج لأسلحته ومعداته ووضع قدمه في المنطقة. اشترت الكويت أسلحة بملياري دولار واشترت السعودية بما قيمته سبعة مليارات ونصف المليار دولار وأسلحة من فرنسا بنحو أربعة مليارات أخرى ثم طائرات مقاتلة بتسعة مليارات أخرى. واشترت دولة الإمارات العربية بما قيمته ثلاثة مليارات ونصف المليار من الدولارات.. ووصلت قيمة مبيعات الأسلحة لدول الشرق الأوسط عام 1993 ستة وأربعين مليونا من الدولارات.. يوميا!.

عن عدد القتلى العراقيين في الحرب.. تراوحت الأرقام بين جهة وأخرى وإن دارت في أغلبها حول رقم مائة ألف قتيل عراقي.. أما البيانات الرسمية.. فقد تحدث الأميركيون عن «أعداد كبيرة» من القتلى العراقيين تصل إلى عدة مئات.. ومن العراق تحدث المسؤولون عن «أعداد» دون تحديد لماهيتها. واستهدف الأميركيون من التقييم على الرقم الحقيقي هو ألا يكون الرقم ضئيلا فيتم اتهامهم بإهدار الكثير من السلاح والجهد على رقم «ضئيل».. ولا يذكرون في الوقت نفسه إن رقم وأعداد القتلى ضخما يصل إلى مائتي ألف مثلا فيتم اتهامهم بارتكاب مجازر وأعمال إبادة.. ومن ناحية العراق.. فإن غموض رقم القتلى يوحي بقدرات زائفة وهو ما أكده صدام في ذكرى غزوه للكويت بأنه حقق ربحا في الصراع.. ويعلق الصحافي فيسك على الأفارقة بقوله: تشارك الأميركيون والعراقيون في مصادفة سعيدة من النوايا.. فقد رغب الطرفان في الإبقاء على عدد القتلى العراقيين سرا.

أما المحاولة الجادة الوحيدة لتقدير الخسائر فهي التي قامت بها بيث أوزبورن دبونت، موظفة مكتب المسح الديمغرافي الأميركي والتي كانت مكلفة بجمع إحصائيات حول عدد العراقيين القتلي أثناء الحرب.. ووفقا لإحصائيتها فقد قتل 86000 رجل و40000 امرأة و32000 طفل على أيدي قوات التحالف التي يقودها الأميركيون وكذلك خلال الانتفاضات داخل العراق بعد تحرير الكويت مباشرة.

ونتيجة لهذه النتيجة التي اعتبرتها الإدارة الأميركية فضيحة.. تم طرد دبونت المجتهدة من وظيفتها.. وأعاد المكتب كتابة التقرير بعد تخفيض الأعداد.. ثم أعاد كتابته مرة أخرى بعد حذف قتلى النساء والأطفال.. تزوير.. تدليس.. ومع ذلك فقد صرح مسؤول في البنتاجون في حديث عن الخسائر في الحرب ولم يتحدث عن أي خسائر بشرية عراقية!.

وعلى أكبر جريمة ارتكبها جنود صدام حسين في الكويت يتحدث روبرت فيسك عن حرائق آبار النفط. يقول إنه التقى الكويتي محمود صومالي الذي قص عليه إن «رجلا عاديا جدا نسيت اسمه، وكان ودودا معنا وغير عدائي على الإطلاق، تحدث معنا كثيرا وشرب القهوة منا في كافتيريا الأحمدي. قال إنه مسلم مؤمن ويذهب كل جمعة إلى المسجد.. لكنه وضع بعدها الألغام تحت الآبار وقال إن هذا واجبه وعليه القيام به».

وضع هذا الرجل وفريقه الألغام في 732 بئرا محولة 640 منها إلى بحيرات من النار من إجمالي آبار النفط في الكويت البالغ عددها 940 بئرا.

سجل فيسك هذه الملاحظات في برقان.. حتى أدرك أن الأوراق في يده تحولت إلى مادة بنية لزجة التصقت بالأيدي والملابس.. كان فيسك ومرافقوه يتنشقون نفطا خاما.. لقد استخدم صدام الحرب الكيميائية بتفجيره آبار النفط.

كانت الآبار المحترقة تنفث في كل يوم مليوني طن من ديوكسيد الكربون وخمسة آلاف طن من السخام.. تنساب بنعومة مثل غازي التابون والسارين السامين عبر الخليج.. وصولا إلى جبال الهميلايا!.

وصل فريق إيراني لمساعدة الكويت في إضفاء الحرائق وكانوا مصدومين لما شاهدوه، وقال أحدهم واسمه هومايون موتيه ويعمل مهندسا في شركة النفط الإيرانية إن السخام وصل إلى جبال زاجروس ليرقد في طبقات الثلج.

تمكنت فرق إطفاء أميركية وكندية من إطفاء 274 بئرا بحلول الخامس من أغسطس ويحكي فيسك إن محمود صومالي ويعمل في قسم التنقيب في شركة نفط الكويت قال إنه وغيره منعوا من الذهاب إلى حقول النفط حتى حدث تدفق مفاجئ ذات يوم فاستدعوه إلى الحقل لإصلاح العطل.. واكتشف وجود أسلاك ممتدة تحت المضخات الرئيسة بحيث إذا انفجرت لا يمكن إغلاقها.. وبعد ثلاثة أشهر جاء العراقي الذي فجر الآبار.

في مبنى الرياضة.. توجد اللجنة الكويتية للمفقودين وشؤون أسرى الحرب في ضاحية سلمان الصباح.. قاعة كبيرة مليئة بالصمت والصور الفوتوغرافية لشباب وطلاب ونساء ورجال شرطة.. صور لحفلات أعياد ميلاد أو حفلات زفاف.. يبتسمون في الصور.. اختفوا بعدما اختطفهم العراقيون وهم يغادرون الكويت ثمانمائة وخمسين كويتيا بريئا كانوا من ضحايا الغزو العراقي للكويت في حين كان المائة ألف قتيل عراقي ضحايا للعدوان الذي شنوه بأمر من صدام حسين.

رجوعا إلى مذكرات الجنرال شوارتزكوف يقول فيسك إن العراق تهد بإعادة كل من جاء إلى العراق منذ الغزو ويقدم طلبا إلى الصليب الأحمر أو يرحل إذا أراد.. ولكن الصليب الأحمر لم يتلق أي طلبات منهذا النوع في مكتبيها في بغداد والبصرة.. كان هناك اهتمام كبير بنحو 650 أسير كويتي أو أكثر من بينهم ثلاثين امرأة معروف أنهم اعتقلوا في الكويت ومنهم من شوهد في سجون العراق من جانب كويتيين عادوا إلى بلدهم.

من بين الأدلة.. رأى مصريان الفتاة الكويتية سميرة في أول أغسطس 1991 تعمل مع نساء آخريات من أسرى الحرب في التنظيفات بمستشفى السعد ببغداد وتعيشن في سجن الكاظمية الذي كان يديره عدي ابن صدام حسين، هذا ما قالته للمصريين اللذين سلما هذه الرسالة إلى السلطات الكويتية بأمانة.

كانت سميرة امرأة جميلة في التاسعة والعشرين من العمر.. وبعد ذلك لا كلمة! كان الأمل يراود الكويتيين بعودة أسراهم خاصة بعد رجوع ألفي أسير إيراني من بغداد بعدما اعتقد الجميع أنهم أموات.

ولكن صدام حسين الدموي لم يكن يعبأ بالأرواح.. عرف الكويتيون ذلك بعد غزو العراق سنة 2003 حيث اكتشفوا بين آلاف الجثث في المقابر الجماعية جثث اثنى عشر كويتيا من بين الذين تم اختطافهم.. يأسف فيسك أن يموت العرب بيد العرب.

استرد الكويتيون بلدهم وعادوا إلى أرضهم بعد شهور.. ولكن في الشمال في العراق كان الموقف مختلفا.. فقد أدى تصرف صدام الخاطئ إلى تعرضه لعقوبات دولية لم تمسه شخصيا ولكنها أثرت بالسلب كثيرا على شعبه الذي عاش في سجن ضخم على مدى 13 سنة.

في 6 أغسطس 1990 بعد غزو الكويت بأربعة أيام صدر قرار مجلس الأمن الدولي بفرض حظر دولي على التجارة مع العراق.. حظر شامل لاستيراد أي شيء من العراق والكويت التي احتلها. وحظر تزويد العراق بكل البضائع باستثناء تلك المتعلقة بالأمور الطبية والمواد الغذائية.

في عام 1991 قصفت قوات الحلفاء محطات المياه وشبكات الصرف الصحي ومحطات الطاقة.. وأصبح الوضع كارثة للشعب العراقي.. وتزايدت حالات الوفيات خاصة بين الأطفال.. وأعلن ممثل صندوق رعاية الطفولة، أن العراق يفقد 4500 طفل كل شهرمن الجوع والمرض تحت سن الخامسة.

كان السؤال.. لماذا فرض الأميركيون والبريطانيون وأصدقاؤهم العقوبات على العراق؟

سؤال أجاب عنه الكثيرون من الأجانب والعرب والعراقيين.. أجابت السيدة مارجريت وهي بريطانية متزوجة من عراقي: «يريدون من الشعب التمرد ضد صدام.. لقد فشلت الانتفاضة سنة 1991.. لقد تحول الناس إلى فقراء يعيشون على القذارة.. وعندما لا يكون لديك مال أو طعام. فإنك لا تهتم بالديموقراطية أو بمن هم حكامك». هذا صحيح كما يقول فيسك.

تحدث الصحافي مع دنيس هاليداي رئيس برنامج الأمم المتحدة «النفط مقابل الغذاء» الذي تحدث عن نقص الأدوية والأغذية وكتب رسالة إلى أمين عام الزمم المتحدة كوفي أنان يشكو من معاناة الشعب العراقي نتيجة العقوبات واصفا ذلك بأنه نسف للمصداقية الأخلاقية للأمم المتحدة، واستقال هاليداي في سبتمبر 1988 وتولى بعده هانز فوق سبونيك الذي استقال بدوره في فبراير 2000 بعدما لم يطق تحمل العقوبات المفروضة على ضميره.

وعندما كتب فيسك عن استقالة الرجلين وأوضح الوضع البائس للشعب العراقي ردت الخارجية البريطانية على الصحيفة بقولها: «لم يكن هاليداي أو فون سبونيك مناسبا لهذا العمل، كان واضحا منذ وقت طويل أنهما اعترضا على قرارات مجلس الأمن وأهداف قرارات الأمم المتحدة، لم يكن من مصلحتهما القيام بمسؤولية «النفط مقابل الغذاء»، وللدلالة على مدى التنصت مع الشعب العراقي في موضوع الحظر التجاري أو رد فيسك جانبا من المواد المحظورة وتتضمن مايلي:

أقلام-برايات-أحذية-أقمشة للأكفان-مناشف صحية-صابون سائل للشعر-مستحضرات لتنقية المياه-مماسح طبية-شاش-أبرطبية-مجلات طبية-كوبالت لآلات تصوير الأشعة-قفازات للعمليات الجراحية-أدوية للصراع-معدات جراحية-معدات لتنقية الدم-أدوية للذبحة الصدرية- شحنات جرانيتة-معدات لمصانع النسيج-معجون أسنان-فرش أسنان-أوراق صحية للحمام- كرات تنس-ملابس للأطفال-طلاء للأظافر-أحمر للشفاه.

ألا تدل هذه العناصر والمواد ضمن كثير غيرها أن الأمم المتحدة بإيعاز من الولايات المتحدة وأصدقائها كانت تتعمد قتل الشعب العراقي قتلا بطيئا؟! مع تعمد إنهاء حياة المرض والأطفال؟! وترك الموتى في العراء!.

في يونيو 1993 كان الرئيس جورج بوش في الكويت في جولة عربية لتكريمه لدوره في تحرير الكويت. واكتشفت السلطات الكويتية مؤامرة للاعتداء عليه والقت القبض على 13 متهما بالتخطيط لقتل الرئيس الأميركي السابق.. يتزعمهم العراقي وصلي الغزالي الذي دافع عن نفسه بأن القوات الأميركية قتلت 15 فردا من أسرته.ولكن قبل أن تنتهي الجلسة الأولى في محاكمته أمر الرئيس بيل كلينتون بإطلاق 23 صاروخ توماهوك على بغداد ردا على محاولة اغتيال جورج بوش وبالفعل انطلقت الصواريخ في 27 أغسطس 1993 بعد شهرين من المحاولة.ومن بين هذه الصواريخ أصاب أحدها منزل الفنانة العراقية التشكيلية ليلى العطار وكان فيسك يعرفها شخصيا كما أنها أقامت معارض فنية في الكويت والقاهرة ونيويورك، ماتت الفناة وزوجها تحت أنقاض بيتها.. ذهب فيسك عام 1998 إلى بغداد وتحدث مع حارس عقارها بيتها وذهب معه إلى حيث كانت الفنانة تقيم وهناك لاحظ مبنى مجاورا لبيتها.. تحوطه أسوار عالية وأسلاك شائكة.. كان مركزا للمخابرات العراقية دسه صدام حسين وسط المنازل العادية ولكنه وضع عليه علامات مميزة لتعرفه الطائرات والصواريخ.. ومن ناحية أخرى فإن الصاروخ الأميركي توماهوك حفل الطريق إلى مركز المخابرات ليصيب منزل الفنانة التشكيلية الرقيقة ذات الشعر الأسود الطويل ليلى العطار ويقتلها. ومن ناحية أخرى فقد عاقب الأميركيون الشعب العراقي على جريمة ارتكبها بعض الأشخاص واعترفوا بها!.

لا يوجد اي تقييم للموضوع

علِّق

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق