هل تصبح الثقافة الرقمية بديلاً عن الكتاب التقليدي؟ فرانكفورت.. ومرحلة ما بعد الورقة والقلم!

الاثنين, 1 ديسمبر 2008

جاء معرض فرانكفورت الدولي للكتاب الذي اختتمت فعالياته في الأيام القليلة الماضية ليجعل من قضية النشر الإلكتروني حقيقة بعد أن جعل منها محوراً رئيساً في فعالياته ومناقشاته بحضور أكثر من سبعة آلاف ناشر من 101 دولة وبمشاركة المئات من كبار الكتاب والمؤلفين الحائزين على جوائز كبرى مثل جائزة نوبل مثل الأديب البرازيلي باولو كويليو عن روايته «السيميائي» والأديب التركي أورهان باموك، ولم تدع هذه الألية الحديثة نسبياً في عالم الثقافة والمتمثلة في الكتاب المسموع أو الفيديو أو الإلكتروني، الفرصة تفوتها في هذا العرس الثقافي الذي بلغ من العمر ستون عاماً، حيث بلغ حجم الكتب الرقمية المعروضة حوالي 30 بالمائة في مقابل 42% للكتاب التقليدي.

إذا أخذنا في الاعتبار أن الصين وهي ضيف شرف المهرجان في دورته المقبلة تعتبر من الدول الأكثر استخداماً وتعاملاً مع الثقافة «غير التقليدية»، فإن التوقعات تشير إلى أن المعرض المقبل سوف يشهد محاور متعددة تساعد في كسر الحاجز النفسي بين المثقفين وبين هذه الألية الثقافية التي تنمو رويداً رويداً في المجتمع الثقافي، فإن السؤال الذي بات يفرض نفسه على عقول المثقفين العرب وأصحاب دور النشر والمؤلفين أنفسهم هو هل مجتمعاتنا العربية قاردة على التعامل مع هذه المستجدات.. وما هي أهم المميزات التي من الممكن أن ترجح كفة الثقافة الرقمية بأنواعها المختلفة في سباقها مع الكتاب الورقي؟.

يقوم باولو كويلهو الذي ألقى كلمة الافتتاح في المعرض بتوزيع نسخ رقمية من كتبه على الانترنت بالمجان منذ أعوام وهي استراتيجية يعتقد أنها عززت مبيعات كتبه في روسيا على الاقل.

وقال في مقابلة مع تلفزيون رويترز «ندرك أهمية العطاء للنشر الإلكتروني، وإذا زرت مدونتي سترى الكثير من الاشياء المجانية» الا أن ما يفهمه العديد من الناشرين عن التحول إلى التكنولوجيا الرقمية ليس له علاقة بالمشاركة بقدر ما له علاقة بالدعاية للاعمال على الانترنت».

وتوقعت شركة أي سابلي للابحاث التكنولوجية بأن تزيد عائدات عرض الكتب على الانترنت عالميا إلى 291 مليون دولار بحلول عام 2012 مقارنة مع 3.5 مليون دولار عام 2007.

استغلال الفرصة

وفي هذا الشأن يقول محمد صلاح العزب-روائي مصري- إن الكتاب الإلكتروني يتحرك حاليا نحو الأمام بسرعة كبيرة، وحسب الإحصائيات التي نشرتها الصحف فإن نسبة الكتب الورقية في الدورة الستين لمعرض فرانكفورت لم تتجاوز 42 في المئة من مجمل المعروضات التي تقدر بنحو 400 ألف مادة معروضة من 100 دولة، بينما بلغت المنتجات الرقمية نحو 30 في المئة من المعروضات.

هذا يؤكد أن الكتاب الإلكتروني قارب أن يساوي تقريبا وجود الكتاب الورقي، وكل المهتمين بالقراءة حاليا يملكون الكثير من الكتب الإلكترونية، التي تتميز برخص سعرها، وسهولة حملها، وتصفحها أثناء العمل على الكمبيوتر.

وقد أعجبني ما قاله باولو كويلهو في المعرض، حيث أكد أن توزيع نسخ رقمية من الكتب مجانا عبر الانترنت يعزز من مبيعات الكتب التقليدية ولا يضرها، وأن على الناشرين أن يستغلوا الفرص التي تتيحها الشبكة بدلا من اعتبارها عدوا. فهذه الرؤية هي التي تنقصنا للمضي في هذا الاتجاه، وأنا شخصيا لي تجربة مع النشر الإلكتروني تؤكد ماقاله كويلهو تماما، فقد أتاحت قراءة مجموعتي القصصية الأولي «لونه أزرق بطريقة محزنة» وروايتي الأولى أيضا «سرداب طويل يجبرك سقفه على الانحناء» فرصة الانتشار بسبب دخول الكثير من القراء للموقع للقراءة والتحميل على شبكة الإنترنت، وحقق هذا لهما رواجا ممتازا، ونسبة قراءة مرتفعة جدا، وفي عقدي الأخير مع دار الشروق القاهرية بشأن روايتي «وقوف متكرر» هناك بند خاص بالنشر الإلكتروني، وأنا أرى أن هذا مفيد جدا لكل الأطراف، الكاتب والناشر والقارئ.

لكن حتى الآن ما زالت الفكرة لدينا تواجه ببعض التخوف والهواجس، والأمر يحتاج إلى شجاعة وإلى نظرة مستقبلية واعية.

وحول حقوق المؤلف في ظل المخاوف من تعرضها للقرصنة في عصر القرصنة الإلكترونية، قال: أنا أرى أن حقوق المؤلف لدينا ليست محفوظة في النشر الورقي، حتى تؤرقنا فكرة حفظها في النشر الإلكتروني، نحتاج أن نمضي في الطريقين معا، البحث عن حقوق المؤلف، والنشر الإلكتروني.

الغاية تبرر الوسيلة

ويؤكد إسلام شمس الدين-رئيس دار شمس للنشر والإعلام- أن العالم أصبح يعيش عصر الإنترنت والريموت كنترول الأمر الذي انعكس على التركيبة النفسية للإنسان، والقارئ بدوره لم يكن بمعزل عن كل هذه التطورات التكنولوجية في كل المجالات سواء في الصناعة أو التجارة أو الميديا والثقافة المتمثلة في الكتب الإلكترونية ودور النشر والكتاب الإلكترونيين الذين أصبح لهم هيئة أو نادٍ خاص بهم، في إشارة إلى أن الأضلاع الثلاثة للمنظومة الثقافية المتمثلة في الناشر والكاتب والقارئ أصبحت تدور في فلك هذه الثقافة التكنولوجية بنسب مختلفة سواء بين هذه المكونات الثلاثة أو بين الدول والمجتمعات سواء كانت الأوروبية أو العربية.

وأضاف أن التجربة الإلكترونية فرضت نفسها ومنتشرة جداً في كل دول العالم ولكن صعوبة هضم هذه الحقيقة أو استيعابها يتعلق بالعديد من الأسباب الثقافية والاقتصادية والاجتماعية.

واستطرد قائلاً: وفيما يتعلق بموقف الناشرين أو الكتاب من هذه التطورات، فإن الحقيقة التي يجب التوقف عندها كثيراً واعتبارها قاعدة للانطلاق في مناقشة هذه القضية هي أن الناشر يريد تحقيق الربح في إطار من عرض كل ما هو جيد ومفيد ومتنوع، والمؤلف يسعى إلى الانتشار وتحقيق عائد مادي يتناسب مع قيمة ما يكتب والجهد المبذول في الكتابة التي تستقطع الجزء الأكبر من وقت المبدعين الذين يوجد منهم الكثير ليس له مصدر للدخل إلا الورقة والقلم أو الفكرة حتى نكون اكثر تحديداً على اعتبار أن الفكرة هي الأساس وإن اختلفت وسيلة التعبير عنها سواء في شكلها التقليدي الورقي أو الإلكتروني. ومن ثم فإن التخوفات التي يتصورها البعض حول موقف القائمين على الحركة الثقافية غير صحيحة وليست واقعية.

ولكن هذا لا ينفي حقيقة أن الكتاب أو الثقافة رغم كل ما أصابهما من ثورة التكنولوجيا واهتمام المعارض الكبرى مثل فرانكفورت الدولي للكتاب، لن تستطيع النيل من الكتاب التقليدي المطبوع الذي أصبح جزءاً من الشخصية العربية والأوروبية، وعلى سبيل المثال فإن شاعرنا الكبير عبدالرحمن الأبنودي لم تلق دواوينه المسموعة الرواج نفسه الذي تميزت به دواوينه المطبوعة.

وقال: لو أننا ابتعدنا عن النظرة العدائية في تناولنا لعلاقة النشر الإلكتروني بالورقي لتغير الوضع كثيراً في إشارة منه إلى ضرورة اعتبار أن كل منهما مكملاً للآخر ولن يؤثر فيه بالدرجة التي يتخيلها البعض فلن يتم دفن الكتاب المطبوع ولن تغلق دور النشر التقليدية أبوابها وفي الوقت نفسه فإن هذا لا يعني أن التجربة الإلكترونية ستفشل بل على العكس لابد أن نؤكد أنها ستنتشر لكن ليست بقوة الكتاب المطبوع نفسها.

ونوه بأن الفيصل في هذه المعركة هو جودة وقيمة العمل الأدبي أو السياسي بغض النظر عن الوسيلة التي يتم تقديمها للقارئ.

نظرة تقليدية

وانتقد عزالدين يحيى-مسؤول علاقات الناشرين بموقع ask ad الإلكتروني- وهو من المواقع العربية التي انطلقت منذ سنوات ومتخصص في النشر الإلكتروني، الأراء التي تقلل من قيمة وفائدة النشر الإلكتروني أو المكتبة الإلكترونية استناداً إلى أن العصر القادم أصبح بما لا يدع مجالاً للشك هو عصر التكنولوجيا والإنترنت ليس في الثقافة وحسب، بل في مختلف المجالات المتعلقة بالإنسان، باللإضافة إلى المميزات الكبيرة التي ترجح كفة النشر الإلكتروني على النشر التقليدي أو الورقي، من حيث سهولة الإنتشار والتسويق والدعاية للكاتب أو المؤسسة العلمية التي يتم التعاقد معها على نشر إصداراتها، بالإضافة إلى أن المتصفح يجد سهولة أكبر في الوصول إلى ما يريد من حقول ثقافية توفرها له المواقع الإلكترونية. ونوه بأن الفكرة التي تقوم عليها «آسك زاد» هي العمل على توفير مكتبة رقمية متكاملة من خلال الإستفادة بما تقدمه التكنولوجيا والإنترنت، والعمل على توفير كل الخدمات التي توفرها المكتبات أو دور النشر التقليدية للمستهلك «الثقافي»، إلا أننا هناك ميزة تحسب لصالح النشر الإلكتروني وهي الإمكانات الهائلة التي تتيحها الوسائل التكنولوجية الحديثة، وإتاحة الكتب والموسوعات والمراجع الضخمة التي يتم تحويلها من الشكل المطبوع أو الفيلمي إلى الشكل الإلكتروني.

وعن العائد المادي الذي يعود على الناشر الإلكتروني والكاتب وكيفية تأمين هذه الأموال والحفاظ على حقوق المؤلف المادية والأدبية، يقول إن أي مشروع لابد أن يكون له هدف مادي وهذه الأرباح يتشارك فيها الناشر والمؤلف والشركة المنتجة للكارت الإلكتروني الذي من خلاله يمكن للمتصفح الدخول واختيار الكتاب الذي يريده وطبع بعض الأجزاء منه.

وأشار إلى أن الصعوبات المادية أو الاقتصادية التي يستند إليها المعارضين لهذه الآلية الإلكترونية كلمة حق يراد بها باطل لأن هذه الكروت المدفوعة مقدماً تتراوح قيمتها بداية من 10 جنيهات ويتم إتاحة عدد من الساعات للتصفح أو تنزيل بعض المواد بما يتناسب مع قيمة الكارت نفسه.

وأكد أن النشر الإلكتروني يتميز بغزارة الانتاج ووجود أكثر من نسخة غير قابلة للنفاذ كما يحدث مع دور النشر التقليدية التي لا تستطيع توفير عدد كافٍ من بعض الكتب أو المراجع بسبب ارتفاع التكلفة وبالتالي صعوبة ترويجها للقارئ.

لا يوجد اي تقييم للموضوع

علِّق

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق