مراجعات الجهاد الثانية.. «نيولوك جديد » ضاعت معه ملام الملاسنات والمساواة بين الظواهري والزعيم عبدالناصر أظهرت أعراض الشيخوخة

لم يرض الشيخ سيد إمام مفتي ومؤسس تنظيم الجهاد أن يعيش الحياة داخل السجن خارج دائرة الأضواء التي اعتاد عليها منذ ظهور المراجعات الفكرية والدينية الأولى إلى النور، والتي انقسم حولها السياسيون والمحليون، ما بين مؤيد لما جاء فيها، والثناء على صاحبها الذي قال كلمة حق من حيث رفضه العنف، وبين فريق آخر قام بالتشكيك في دوافع وأهداف الشيخ سيد إمام من وراء كتابة هذه المراجعات بعد سنوات من الصمت الذي اعتبره البعض علامة الرضا عن كل ما قام به الجهاديون داخليًا وخارجيًا.. وذهب فريق ثالث إلى التحذير من التفاؤل المبالغ فيه بهذه المراجعات بزعم أنها ليست إلا هدنة إن لم يكسب من ورائها الجهاديون، فهم على الأقل لن يخسروا شيئًا.. وبعد شهور من الجدل وفي الوقت الذي استعد فيه الجميع لطي صفحة المراجعات الفكرية بعد أن قتلت بحثاً، أعادهم الظواهري إلى نقطة البداية مرة ثانية بكتابه «التبرئة» الذي قام فيه بالرد على الشيخ إمام واتهامه بالخيانة والعمالة..
استمرارًا لمسلسل حرب «إمام - الظواهري» خرج علينا الشيخ سيد إمام مجدداً بنيولوك للمراجعات الدينية الأولى وهي"التعرية لكتاب التبرئة" رداً على «تبرئة» الظواهري.. والتي احتضنتها صحيفة المصري اليوم وقامت بعرضها وتوضيحها، والتي لم تخرج عن دائر الكر والفر أو التكذيب والنفي وتوجيه اللكمات «الاتهامات» لوجه الظواهري وتنظيم القاعدة، واتهامه بالعمالة للأميركان والصهاينة.. إلا أن المنحى الذي اتخذه مفتي ومؤسس الجهاد في الحلقة الثامنة والتاسعة التي نشرتها المصري اليوم من حيث المقارنة بين الظواهري والزعيم الراحل جمال عبدالناصر، والمساواة بينهما بزعم أن كليهما يقلب الحقائق ويتاجر بالقضية الفلسطينية، يطرح العديد من التساؤلات حول مبرر الزج باسم ناصر العرب في «خناقة» بين اثنين لا يختلف أحد على أن كليهما أضر بالأمة العربية والإسلامية التي ما زالت تدفع ثمن أفكارهما، حتى وإن اعترف الأول «الشيخ إمام» بالخطأ الذي ارتكبه!.. وهل الطبعة الثانية من المراجعات أو النيولوك الجديد يحمل ما يستحق العرض والمناقشة، خاصة بعد القراءة الأولى لها التي اتضح من خلالها أنها لا تخرج عن دائرة المهاترات والملاسنات كما وصفها المحللون والسياسيون، كونها خرجت عن دائرة المراجعات بالمعنى الفكري والديني للمصطلح؟!..
تزييف الحقائق
حيث نشرت المصري اليوم الحلقة الثامنة، والتي جاءت تحت عنوان «سيد إمام: الظواهري يقلب الحقائق مثل جمال عبدالناصر.. الظواهري يتاجر بقضية فلسطين.. وتنظيمه هو الذي أدخل أميركا إلى المنطقة»، حيث قام الشيخ سيد إمام بتوجيه اتهام إلى الظواهري الرجل الثاني في تنظيم القاعدة بتلبيس وقلب الحقائق، عندما يقول إن المجاهدين هم الذين أفشلوا المخطط الأميركي في المنطقة.. ويشير إمام إلى أن الظواهري يشبه الزعيم الراحل جمال عبدالناصر ويستمر في «المراجعات الدينية» ويقول إنه –أي الظواهري- يتاجر بقضية فلسطين بالكلام فقط، بهدف كسب شعبية لدى الجماهير العربية والإسلامية.. ويستطرد «إمام الجهاد» قائلاً: من تلبيس الظواهري وقلبه الحقائق قوله «والمجاهدون هم الذين أفشلوا المخطط الأميركي في المنطقة، وهم أيضاً من تنتقدهم تلك المراجعات» في الصفحة الرابعة من كتابه «التبرئة»، ويقصد بالمجاهدين تنظيم القاعدة.. وهذا كلام جمال عبدالناصر نفسه الذي وصفه الظواهري من قبل بالدجال عندما رفع شعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»!. ولكن بصيغة أخرى.. فقد رفع عبدالناصر بعد هزيمة 1967 هذا الشعار، وذلك لإسكات منتقديه.. وها هو الظواهري يحذو حذو من وصفه بالدجال، ولا يريد أن ينتقده أحد لأنه مشغول بمحاربة أميركا!!.. ويضيف: من المعلوم من التاريخ المعاصر أن أسرع الطرق إلى كسب الشعبية لدى الجماهير العربية والإسلامية هو مناطحة أميركا وإسرائيل والإكثار من الكلام عن القضية الفلسطينية.. فعل هذا جمال عبدالناصر وصدام حسين ومحمود أحمدي نجاد وغيرهم، إلا أن هؤلاء قدموا شيئاً لفلسطين وأهلها خاصة عبدالناصر.
ناصر العرب
وردًا على الزج باسم الزعيم جمال عبدالناصر في هذه المراجعات وحرب الاتهامات المتبادلة بين إمام والظواهري.. يقول حمدين صباحي -عضو مجلس الشعب ورئيس حزب الكرامة وأحد قيادات الناصرية في مصر-: في البداية يجب أن نؤكد على حقيقة يعرفها الجميع وهي أن عبدالناصر كان وما زال زعيم الأمة العربية والإسلامية بالنسبة للمؤيدين له والمعارضين لبعض سياساته.
ونحن لا نتخذ موقفاً عدائياً ضد من ينتقد الزعيم الراحل، لأن اختلاف الآراء ظاهرة صحية ومؤشر على الديمقراطية، ولكن أن يتحول الموضوع إلى اتهامات باطلة لا سند لها أو برهان عليها لأسباب شخصية أو ترديد لكلام قوي وأطراف أخرى كانت وما زالت تعتبر عبدالناصر العدو الأوحد لها، فهذا ما نرفضه ونعترض عليه.. مثل ما ذهب إليه الشيخ إمام في مراجعاته كما يحلو له ولوسائل الإعلام أن يطلقوا عليها.
وحتى نوضح جملة ما سبق فإن الجميع يعلم منذ ظهور المراجعات الأولى أنها جاءت في مناخ غير حر، بمعنى أن عددًا كبيرًا من السياسيين والمحليين يرى أنها كانت تحت ضغوط أمنية داخل السجون، بالإضافة إلى أنها في جملتها جاءت وفقاً لرؤية أميركية صهيونية، لذلك فاحتمال الشك والريبة على أقل تقدير يظل قائماً من حيث أن ما جاء به الشيخ إمام لا يعتبر تصحيحًا لمفاهيم جهادية قديمة –كنا وما زلنا نرفضها- سببت الدمار والخراب للوطن، وراح ضحيتها آلاف الشباب الذين وقعوا تحت تخدير قيادات الجهاد .
وأنا أرد على إمام الجهاد وأقول له: إذا كان عبدالناصر متاجراً بالقضية الفلسطينية ويقلب الحقائق، فماذا قدمت أنت لفلسطين وللإسلام والعروبة على الأقل من الناحية الدينية أو على مستوى الفكر والعقيدة؟!.. وإذا كان عبدالناصر يقلب الحقائق ويشبه الظواهري، فما الذي تقوم به أنت الآن؟!.
واستطرد حمدين صباحي قائلاً: الشيء الغريب في الموضوع هو أن المراجعات من المفترض أنها بين قيادات جهادية «فريق واحد» فما الداعي للزج باسم الزعيم الراحل جمال عبدالناصر فيها؟!.. اللهم إلا إذا كان الظواهري يغازل أطرافًا أخرى خارجية، مثل الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل!!.
ومن ناحية أخرى ما هو وجه المقارنة بين عبدالناصر بكل تاريخه سواء ثورة 1952 أو وقت النكسة التي واجهها بكل شموخ الأحرار واعترف فيها بالتقصير، مروراً بحرب الاستنزاف، وصولاً إلى وفاته والجنازة المهيبة التي خرجت فيها الشعوب العربية والإسلامية، وبين الظواهري بكل تاريخه الدموي وأعمال التفجيرات والإرهاب؟!.
حرب الملاسنات
فيما يقول الدكتور عمرو الشوبكي -خبير شؤون الجماعات الإسلامية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية-: إن المراجعات من الممكن الاختلاف حولها في إطار القول بوجود ضغوط أمنية داخلية على الشيخ إمام، أو القول بأنها رؤية جديدة كتبها مفتي الجهاد بكل حرية واقتناع شخصي بها، من حيث رفض العنف والفكر الجهادي القائم على تكفير الحاكم والخروج عليه بالقوة، ولكن أنا ضد وجهة النظر التي تقول إن المراجعات جاءت وفقاً لأجندة خارجية، أو أنها تخدم مخططات أميركية وصهيونية في المنطقة.
ويؤكد الشوبكي أنه لا يمكن تناول الجزء الثاني من المراجعات الذي تحول إلى ملاسنات دون العودة إلى الجزء الأول منها، الذي جاء في هيئة اتهامات متبادلة، وتشكيك في النوايا والدوافع والأهداف، سواء ما قاله إمام أو ما جاء في كتاب التبرئة للظواهري كرد فعل على المراجعات.. واستمرت هذه الملاسنات إلى أن وصلت إلى أقصى درجة لها في الجزء الثاني للمراجعات للرد على «التبرئة»، وأصبحنا لأول مرة أمام نمط جديد من الاتهامات يخرج فيه هؤلاء «المجاهدون» من اتهام النظم الحاكمة بالكفر والخيانة والعمالة، إلى اتهام بعضهم البعض بالتهم السابقة نفسها وهي التكفير والعمالة، رغم أن أحدهما مطارد في جبال أفغانستان، والآخر محاصر خلف أسوار السجون!!.
ويرى أن الزج باسم عبدالناصر في المراجعات الثانية لا محل له من الإعراب لأنه لايصح المقارنة بين زعيم أمة وقيادي في تنظيم يرفضه الجميع
واختتم الدكتور عمرو الشوبكي حديثه قائلاً: إذا كان الشيخ سيد إمام بعد مراجعاته يرى أن الخضوع للحاكم أمر واجب، بعد أن كان يرى أن الخروج على الحاكم بالقوة هو السبيل الوحيد للتغيير.. فالسؤال الذي يطرح نفسه على أهل المراجعات هو: هل يمكن اعتبار الضغوط الشعبية والمظاهرات السلمية لانتزاع الحقوق كما نصت عليها القوانين والأعراف الديمقراطية الحديثة، مفسدة كبرى لأنها تخرج على الحاكم المستبد والظالم؟!.

















علِّق