النواب باعوا «الشعب» بـ «التعيينات».. والمعارضة تتهم وزارة المالية بـ «الرشوة السياسية»
 «الأقربون أولى بالمعروف».. كلمة حق

الخميس, 27 نوفمبر 2008
عمر عطية


«صلة الأرحام.. هنيالك يا فاعل الخير.. السعي في قضاء حوائج الناس أفضل من الحج والعمرة.. الأقربون أولى بالمعروف».. كلمات وحقائق منتشرة بين فئات الشعب على اختلاف انتماءاتهم الدينية والسياسية، تؤكد أن هناك خللاً في فهم وإدراك الناس لمعاني هذه الكلمات، وأن ما يصلح للشتاء لا يتناسب مع حرارة الصيف.. وأن النائب بعد دخوله تحت قبة البرلمان يتحول إلى شخصية عامة لها حقوق على الحكومة وعليها واجبات للشعب والناخبين الذين لم يتخيلوا أن نوابهم سوف يبيعونهم بثمن بخس للحكومة مقابل تحقيق مصالحهم الشخصية أو تعيين أقاربهم في بعض الوظائف الحكومية مثل وزارة المالية.. «وماخفي كان أعظم».. وهي الحقيقة التي أكدتها الوثائق التي قامت صحيفة «البديل» بنشرها، بل إن بعض النواب قاموا بتعيين أنفسهم!.. وهو ما أثار ردود أفعال قوية رافضة لهذه الفضيحة، سواء بين الناخبين أو النواب الذين وصفوا ما حدث بـ«الرشوة السياسية» التي لعن الله فيها الراشي والمرتشي.

ما خفي كان أعظم!..

تقول جورجيت قليني -عضو مجلس الشعب عن الحزب الوطني: في البداية يجب أن نؤكد على حقيقة معروفة ويتداولها الناس دائماً، وهي «الأقربون أولى بالمعروف»، وبالتالي فإن قيام أي مسؤول في الدولة بمساعدة أحد أقاربه بغض النظر عن نوع المساعدة أو الخدمة، لا يعتبر خروجاً عن الشرع والقانون.. وليس معنى أنهم أقارب أن أعاقبهم بهذه التهمة وأرفض خدمتهم حتى لا أكون في مواجهة نيران المعارضة..

ولكن عندما يتحول الموضوع إلى مصالح شخصية وعدم العدل والمساواة، هنا لابد من وقفة، ومحاسبة المتورطين في مثل هذا النوع من الخدمات، لأن النائب البرلماني خاصة من وصلوا إلى المجلس بالانتخاب لا يعبرون عن أهلهم وأصدقائهم فقط، بل عن دائرة وناخبين.

وحول حقيقة أن هناك وظائف محددة ومتعارفًا عليها يتم توزيعها على النواب بالتساوي، قالت: هذا كان في عصر وزير المالية السابق الدكتور مدحت حسانين الذي كان يقوم بتوزيع الوظائف على النواب بواقع وظيفة لكل عضو!.. وأتذكر أنني في إحدى المرات جاءتني سيدة فقيرة تطلب وظيفة لأحد أبنائها، وبالفعل توجهت إلى الدكتور مدحت، ورغم أنني قد أخذت حقي في التعيينات، إلا أنه وقف بجانبي عندما تأكد أن السيدة لها ظروف خاصة ولا تربطني بها أي صلة قرابة.

واستطردت أن يوسف بطرس غالي وزير المالية الحالي، قام بزيادة النسبة إلى خمس وظائف، ثم قام باختزالها إلى واحدة فقط، ومنع أي عضو جاء إلى البرلمان بالتعيين من الحصول على هذه الوظائف، بحجة أن هؤلاء ليس لهم ناخبون من الممكن أن يحاسبوهم!..

وفيما يتعلق بالقائمة التي تم تسريبها إلى وسائل الإعلام، قالت إنها تثير الشبهات، خاصة أنها كانت من نصيب نواب دون آخرين، سواء معارضة أو بين نواب الحزب الوطني أنفسهم.. وهذا يعتبر مخالفة دستورية، لأن الوزير والنواب لم يحترموا الدستور الذي ينادي بالعدل والمساواة بين النواب تحت قبة البرلمان أو بين الشعب.

وقالت جورجيت قليني: ياريت الموضوع يتعلق بالتعيينات وحسب.. في إشارة منها إلى أن هناك مصالح مشتركة بين النواب والوزراء أو بين رجال الأعمال وبعض النواب، متمثلة في صورة شركات وأراض، رغم أن الدستور يقول: لا يجوز لأي نائب التعامل مع الحكومة بيعاً أو شراءً، حتى نضمن الشفافية والموضوعية في قيام النواب بدورهم من حيث المراقبة على الحكومة والمسؤولين.

واختتمت حديثها قائلة: الكل يعلم أنني لم أقم بتعيين أقاربي منذ دخولي البرلمان، سواء في عهد وزير المالية السابق أو الحالي، وأتحدى أي أحد يقول إن اسمي ورد في أي مسألة لها علاقة بالمصالح الشخصية..

الأقربون أولى بالمعروف يا ماما!.. هذه كانت مداخلة ابنة جورجيت قليني خلال حديثها لـ«الرؤية».. وردت الأم: حتى البنت بتلوم عليّ إني لم أستطع تعيينها في إحدى الوظائف حتى الآن!.

كلمات متقاطعة!

فيما جاءت إجابات الدكتورة يمن الحماقي -عضو مجلس الشورى بالتعيين وأستاذة الاقتصاد بكلية التجارة جامعة عين شمس- في صورة كلمات متقاطعة، حيث اكتفت بالرد على هذه الفضيحة المتورط فيها وزير المالية وبعض نواب مجلسي الشعب والشورى، والتي لم تكن تعرف بها من قبل! بتوجيه عشرات الأسئلة مثل: هل هناك أحد من النواب بالتعيين في هذه القائمة؟! وكم عدد الوظائف التي حصل عليها كل نائب؟! وهل الأعضاء ينتمون إلى الحزب الوطني أم المعارضة؟!.. وعندما أكدنا لها أن القائمة لا تتضمن أي نائب من المعارضة أو أي نائب أو نائبة من المعينين بقرار جمهوري.. قالت: أنا متخصصة في الاقتصاد، وشايفة إنك مش محتاج رأيي في هذا الموضوع، والأفضل أن تسأل متخصصين في القانون الدستوري، وعلى فكرة مش معنى إني حزب وطني إني خايفة أتكلم في الموضوع، بس ممكن أتكلم معاك في موضوع تاني!.. وبالمناسبة هوّه عيب إن النائب يقوم بخدمة الأهل والأقارب؟!.. ربما يكونون محتاجين أو فقراء.

إلا أنها أبدت دهشتها عندما علمت أن هناك بعض النواب قاموا بتعيين أنفسهم في وزارة المالية.. وضحكت.. ثم قالت: يمكن همّا دخلوا البرلمان علشان يتوظفوا بعد ما فشلوا في الحصول على وظيفة خارج البرلمان!!..

تجليات الفساد الحكومي

فيما ينتقد الدكتور أحمد أبوبركة -عضو اللجنة التشريعية بمجلس الشعب ونائب الإخوان المسلمين- هذه الآراء وعدم الوضوح والقدرة على قول كلمة الحق، والالتفاف حول الحقيقة، قائلاً: إن كلمة «الأقربون أولى بالمعروف» هي كلمة حق يراد بها باطل إذا تم استخدامها في غير موضعها، وبما يخالف الشريعة الإسلامية والقانون.

وأوضح أن الوثائق المنشورة تؤكد كل ما ينطق به الإخوان أو القوى السياسية المعارضة فيما يتعلق بحكومة الحزب الحاكم من حيث انتشار الوساطة والمحسوبية واغتصاب حقوق الآخرين وإعطائها للأهل والأقارب، وهذه السياسات هي إحدى تجليات النظام الفاسد الذي انفرد بالسلطة ويحاول أن يخدع الناس والرأي العام العالمي بأن كل القوانين والتشريعات يتم عرضها على مجلسي الشعب والشورى، وإقرارها يتم برأي الأغلبية التي لا يمكن أن تخرج عن النص المحدد لها سلفاً من قبل الحكومة التي تدفع لنواب الحزب الوطني رشوة سياسية تتمثل في تعيين أقاربهم في الوزارات، في الوقت الذي لا يجد فيه ملايين الشباب فرصة عمل.. وعلى رأي المثل «اطعم الفم تستحي العين» وبالتالي ماذا ننتظر من نواب أخذوا مقابل تأييدهم الأعمى للحكومة، ولو أن هؤلاء النواب أتوا إلى البرلمان بحب واختيار الناخبين من البداية وليس بـ«تزوير الانتخابات» لما استطاع واحد منهم أن يبيع الوطن والمواطنين للحكومة.

وأضاف أبوبركة أن القضية لا تتعلق بوجود مخالفة دستورية من حيث إخلالها بمبادئ المساواة والعدل والمواطنة التي كفلها الدستور، بقدر أنها تعتبر كارثة أخلاقية، لأن هناك الكثير من الأفعال لا تستطيع أن تحاسب صاحبها قانوناً رغم أنها مخالفة أخلاقية وتعتبر خيانة أخلاقية وبرلمانية للناخبين!.. مشيراً إلى أنه كان يتمنى أن يضع هؤلاء النواب جهودهم في خدمة البلد، أو على أقل تقدير أهل الدائرة الانتخابية، والمطالبة بإيجاد حل لمشكلة البطالة التي يعاني منها الشباب.

وردًا على القول إن أقارب النواب الذين تم تعيينهم ربما يكونون محتاجين لهذه الوظائف بسبب ظروفهم الاقتصادية الصعبة، قال: وهل أقارب نواب الحزب الوطني فقط هم الذين يعانون مشاكل اقتصادية؟!.. وماذا عن النواب الذين قاموا بتعيين أنفسهم في وزارة المالية، وكيف دخلوا الانتخابات التي تتطلب أموالاً للدعاية؟!.

وأكد أن كل ما سبق لا ينفي أن هناك مخالفات دستورية كبيرة جداً وقع فيها وزير المالية والنواب إياهم، من حيث عدم احترامهم لبعض المواد الدستورية، مثل المادة رقم 8 التي تؤكد على مبدأ تكافؤ الفرص، والمواد 40، 41، 46، 47 و48، وهي كلها تؤكد التهمة على الحكومة التي لم تراع العدالة والمساواة بين المواطنين.

لا يوجد اي تقييم للموضوع

علِّق

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق