بناء الثقة

السبت, 16 أغسطس 2008
عبد الله الكندري

من الواضح أن الناس لم تعد تثق فيما تقدمه الحكومة من خدمات وإن كانت مجانية.. لذلك نشطت المدارس الخاصة وأصبحت تجارة رابحة لمن يملكها، وكذلك المستشفيات والعيادات الخاصة، وأصبحت تستقطب الناس على اختلاف مستوياتهم المعيشية، لأن التعليم والصحة في مقدمة أولويات الإنسان، فهو مستعد لأن يصرف كل مدخراته في سبيل توفير تعليم متميز لأبنائه وعلاج جيد في حالة حاجته إليه. ولم يقتصر ذلك (أي فقدان الثقة) على التعليم والصحة، بل امتد ليشمل كل ما تقدمه الحكومة من خدمات مثل البريد والمواصلات والكهرباء وغيرها، لذلك نسمع ونقرأ النقد المستمر لهذه الخدمات.. والناس لا تلام على ذلك أبدا لما تجده من تدهور في مستوى هذه الخدمات، وتقارن بما يقدمه القطاع الخاص، لذلك فإن نتائج هذه المقارنة غالبا ما يأتي في مصلحة القطاع الخاص وقدرته على التفوق على القطاع العام.. وفي اعتقادي أن جزءا من المشكلة يكمن في قدرة القطاع الخاص على تسويق مشاريعه إعلاميا مقابل الضعف الحكومي الواضح والعاجز عن تسويق إنجازاته حتى لو كانت موجودة، ناهيك عن النقد الذي يمارسه السياسيون والكتاب وغيرهم للقطاع الحكومي، وهو ما كان له دور كبير في ذلك. أعتقد أن هناك بعض السلوكيات التي يمارسها كبار المسؤولين في الدولة وقيادتها لها أثر كبير أيضا، ومنها على سبيل المثال أن معظم القياديين والمسؤولين لا يذهبون بأبنائهم للمدارس الحكومية، بل يحرصون على إلحاقهم بالمدارس الخاصة فتجدهم دائما في مقدمة حضور الاحتفالات التي تقيمها تلك المدارس. وعندما يصاب أي مسؤول بوعكة صحية فإن أول إجراء يقوم به هو نقله للعلاج في إحدى الدول المتقدمة، ولا ننسى عندما تعرض وكيل وزارة الصحة السابق لوعكة صحية قبل سنوات، فقامت طائرة خاصة بنقله للعلاج خارج الكويت، فما هي الرسالة التي يتلقطها الناس مقابل هذا التصرف؟ فإذا كان وكيل وزارة الصحة لا يثق في مستشفيات الكويت وعلاجها فما بالك بغيره! وما يزيد الطين بلة أن بعض المسؤولين يفتخر بأن أبنائه يدرسون في المدارس الخاصة ويتباهى بذلك. لاشك أن مجمل هذه السلوكيات تنزع بل تقتل الثقة في الخدمات الحكومية، إنها إذن أزمة ثقة بالدرجة الأولى.. لذا لابد من استرجاع الثقة من قبل الحكومة بمرافقها وخدماتها من خلال الرسائل الإعلامية الواضحة والقوية التي تبث للناس، ولابد للمسؤولين من أن يكونوا في مقدمة من يتعامل مع الخدمات الحكومية، وخاصة في مجال الصحة والتعليم، وإلا فكيف نريد أن نجعل تعليمنا متقدما والمسؤولون عن التعليم لا يثقون فيه! وكذلك الأمر في مجال الصحة. إن نبرة النقد للقطاع الحكومي والخدمات الحكومية لابد أن تخف من قبل المسؤولين أنفسهم أولا، ثم لابد من وضع خطة واضحة لتطوير الخدمات بشكل واضح للناس، وفي اعتقادي ان الأمر ليس صعبا ولكنه يحتاج الى رؤية واضحة وإدارة جادة وفاعلة.. فهل نفعل؟!

لا يوجد اي تقييم للموضوع