تسييس القضاء
القضاء هو الملاذ الآمن لكل الناس، ففي ظله يأمن الجميع أو يفترض أن يكونوا كذلك.. لذا فإن الدساتير كلها أقرت باستقلالية القضاء كسلطة بعيدة عن التأثير، مهما كان نوعه. وللسياسة تأثير لكونها المسيطرة والمهيمنة على البلاد والعباد، ولأصحاب المناصب نفوذ وتأثير بحكم مناصبهم ووظائفهم، ولأصحاب المال نفوذ وتأثير خطير قد يزيد عن نفوذ السياسيين وأصحاب المناصب.. لهذا كله وجب ابتعاد القضاء بشكل كامل عن كل هذه المؤثرات حتى يمارس دوره بكل شفافية ونزاهة وعدالة، فلا تضيع حقوق العباد عند أصحاب المصالح، مهما كان نوعهم أو دوافعهم. إن ما دفعني إلى الكتابة في هذا الموضوع حادثتان حدثتا خلال هذه الفترة؛ الأولى تبرئة القضاء المصري لأصحاب العبّارة التي غرق من كانوا عليها وتجاوز عددهم ألف شخص، والثانية قيام القضاء التركي بالنظر في حظر حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا. وقد قرأت وسمعت العديد من التحليلات في الحادثتين، فالأولى قال بعض القانونيين إن الحكم قد تجاهل الكثير من التقارير الفنية ولجان التحقيق البرلمانية التي أدانت أصحاب العبارة، وهذا ما يلقي بظلال بالشك على حكم المحكمة.. أما الحادثة الثانية فإن هناك إشارات تؤكد أن قيادات عسكرية وراء هذه الدعوة، وأن الهدف هو إقصاء حزب العدالة بسبب أصوله الإسلامية على الرغم من الشعبية التي حظي بها الحزب والنجاحات التي حققها خلال سنوات حكمه القليلة. إن استخدام القضاء كسلاح من قبل طرف ضد آخر مؤشر خطير، فإلى من يلجأ الناس إذا فقدوا القضاء؟! هناك بلاد تفخر بنزاهة قضائها لأنه، أي القضاء، الرقيب على الجميع ويمتلك من السلطات ما يستطيع به إقالة رئيس الدولة، إذا ثبت فساده! فقد دخل القضاء المعركة على السلطة في باكستان، فقام رئيس الجمهورية بعزل رئيس القضاء وفرض عليه الإقامة الجبرية حتى لا يمارس أي عمل أو دور في الحياة العامة، ولكنه بعد خروجه عاد لتحدي الرئيس، وهناك مطالبة بعودته إلى مزاولة عمله من جديد. كل الصور التي ذكرتها تخوفنا من تسيس القضاء وانجرافه، بل وانحرافه، ما يجعل الخوف والهلع ينتابنا، ولعل الصور التي شاهدناها بعد حكم القضاء المصري من أثر الصدمة على الناس كانت كافية بأن تجعلنا نخاف على القضاء من أن يصله العبث، فحينها لن نستطيع إلا الحوقلة وترديد حسبنا الله ونعم الوكيل.
|
|
- تسجيل الدخولأو سجل لتعلق
- نسخة للطباعة











