أعدم الكثير من الثوار رمياً بالرصاص أو على أعواد المشانق
المحاكمات الصورية في بغداد أوصلت رسالة رادعة للمعارضين

المحاكمات لم تكشف عن أسباب ثورة الموصل
رغم ذلك فإن هذه المحاكمات التي استمرت أسابيع لم تفلح في كشف النقاب عن الأسباب الحقيقية لثورة الموصل أو في إماطة اللثام عن جميع مشعلي فتيلها، ومع ذلك فالاتهامات المتبادلة عبر المذياع بين العراق ومصر أتت كوابل السماء، ونوع الألفاظ المستخدمة التي هبطت إلى مستوى مشاجرة عمّال لا تدع مجالاً للشك بأن الجمهورية العربية المتحدة هي من حاك انتفاضة الموصل، وهكذا ضرب العسكر في الموصل، وكذلك فعل البدو...
تزينّت الموصل بالأعلام، وفي الطرق سالت دماء الشياه التي نُحرت احتفالاً، وتعالت الصيحات حتى أن لم يعلُ عليها سوى خطابات التحريض التي تُبث عبر المذياع من الجانب الآخر للحدود، ومع ذلك فحسابات ثوّار الموصل كانت مخطأة تماماً، فلا قام الجيش كرجلٍ واحدٍ، ولا كان سلاح الجو حليفهم عدا المواد الإذاعية التي استهدفت رفع الروح المعنوية فلم يأت أيُّ عونٍ من الخارج.
كان رد بغداد بالدبابات والطائرات
كان رد بغداد سريعاً وخاطفاً. وهل غفل هؤلاء في الموصل عما لدى بغداد من دبابات وطائرات مقاتلة نفّاثة، وكذلك عن أكثر قوات الأرض شجاعة، أي الأكراد؟ هؤلاء الأكراد الذين اضطهدهم العرب والأتراك والفرس والروس على حد سواء، وجدوا في عبدالكريم قاسم حليفاً. أبرمت بغداد سلاماً مع الأكراد، وجنّدت في جيشها منهم رجالاً بقامات تطاول الشجر، بالغي البأس والإقدام، فالخدمة العسكرية هي الحرفة الوحيدة التي يعرفها الكردي، ويجعلها جزءاً من شرفه.أدركت الكتائب الكردية الموصل وأعادت إليه النظام، ولكن من يعرف شدة الأكراد بإمكانه أن يتصوّر الطريقة التي استخدمها الأكراد لإخضاع الموصل العربية.
في حديقة قلعة شمّر ذُبح 240 شمّرياً
في حديقة قلعة شمّر في الموصل ذُبح مائتان وأربعين شمّرياً، جلّهم من مشايخ القبيلة. سالت الطرقات دماء، ولم تعرف الفظائع حدوداً. يقدّر الثقات عدد ضحايا الموصل بستة آلاف، بين رجال ونساء وأطفال. ومن لديه رغبةٌ فبإمكانه أن يبتاع في دمشق أو حلب صوراً لتلك الشناعات، حزنٌ لا نظير له خيّم على تلك المدينة التي كانت يوماً ودودة، الموصل اليوم أضحت مدينة بلا روح، تبعثرت فلول شمّر في الأنحاء، وتقوّضت سطوة تلك القبيلة الشمّاء، وهذه الدماء المسفوكة بذرت بذلك آلاف الخصومات، كذلك الحال في بغداد ققد أدّت الأحداث إلى مئات من حالات الثأر للدم بين أسر متنفذة، وخلقت كرهاً سيظل حامياً لسنوات عشر مقبلة، كما هو اليوم. إن السيادة بالقوة لأمر فظيع حقاً...
شارف شهر رمضان على الانقضاء
شارف شهر رمضان على الانقضاء وازدادت الأيام حرارة بشكل ملحوظ، الخضرة الوادعة والمنتشرة في الصحراء قد ذبلت، والبحر لم يعد ذلك العدو قارس البرودة لنجارينا ولمشغلي المطرقة وفريق الحفّار. نحن الآن في المنتصف بين الربيع والصيف، والطقس ليس حاراً بما يجعلنا نخشى العمل نهاراً.
وفي الصحراء أيضاً سيكون الطقس أكثر حرارةً، فالرحمة التي جلبها فصل الأمطار القصير قد ارتفعت. وصلت إلى آبار الجهراء أوائل القطعان الكبرى للجمال لسقياها، وهناك في العبدلي تزاحمت ألاف الدواب القوية حول أحواض الخرسانة التابعة لشركة النفط، وأخذت تعبّ بنهم ما يُضخّ إلى هذه الأحواض من مياه عذبة. القطعان التي تجوب الصحراء في جنوب الكويت تُسقى من مشارب الأنبوب العابر للجزيرة العربية، التابلاين.
50 ألف جمل ونصف مليون شاة
هذه الآبار والمشارب التي وضعت من قبل الحكومة أو شركة النفط هي في الحقيقة أشبه بسلاح ذي حدين، فبعكس ما كان سائداً في السابق حين كانت المراعي ومعها موارد الماء والقطعان، والبدو يتوزعون بشكل متوازن على أراضي الجزيرة العربية التي لا حدود لها، فاليوم يتزاحمون جميعاً بقرب الماء. فبمحاذاة خط التابلاين يعيش اليوم مائة ألف بدوي، ومائة وخمسون ألف جمل ونصف مليون شاة.
يعمّ هذه الآبار في الأشهر القائظة تزاحم للدواب لا يفتر. وتعبّ الجمال في نوبة واحدة وطويلة تسمع لها قرقرة ما بين مائة وعشرين ومائة خمسين لتراً من الماء! وبعد أن تصدّر للرعي بأربعة أو خمسة أيام يكون قد غلبها العطش فتعود أدراجها إلى الآبار. وبسبب الوجود الحاشد حول الآبار فإن ما يقطع من مسافة بحثاً عن الرعي يكون دائماً أبعد، إذ أن المراعي القريبة من الآبار تكون قد أصبحت قاعاً أجرد. إذن تعرف الصحراء أيضاً البناء الجائر.
الجمل لم يعد ملك الصحراء
لا يلعب الجمل اليوم في الحياة الاقتصادية للجزيرة العربية دوراً، ولم يعد ملك الصحراء كما كان من قبل. كما أن اقتناء الجمال لا يمثل اليوم دلالة على الوضع الاجتماعي لأحد الشيوخ، بل ان مثل هذه الثروة أضحت اليوم عقبة. في السابق كان البدوي يحتاج للهجن السريعة لقصد الغزو، وحين يحدث أن تتعرّض إحدى القبائل للغزو، أو يُغار على مضاربها، فالأمر برمته يتعلق بالجمال، فقطعان الجِمال كانت ثروة ومنعة أيضاً، معها يعيش البدوي وكم من مرةٍ لقي حتفه بسببها. لقد كان الجمل بمنزلة عملة الذهب في الجزيرة العربية! ولكن اليوم أزاحت الشفروليه الجمل كوسيلة نقل، والثراء يجثم في البنوك، بل حتى لحم الجمل لم يعد يقدّر كما كان في زمن مضى. ومن يظنّ أنه سيعثر اليوم على زوجة لقاء قطيع من الجمال، فذلك مخطئ حتماً!
الرعاة كسالى والنساء أخذن في حث الخطى
اكتظت آبار الجهراء بالجمال والشياه التي أخذت تهبط في مواكب ممتدّة من بين ما حولها من مرتفعات صغيرة، وأخذ معها الثغاء والخوار يملأن الجو، ألوف الحوافر تدكّ الأرض وتنشر غمامة من الغبار الأحمر، ملاك هذه القطعان ورعاتها مكثوا كسالى فوق ظهور الجمال ونظروا بكبرياء إلى النساء اللواتي أخذن في حث الخطى هنا وهناك بين رؤوس الجمال وسيقانها، وقد أوكل لهنّ كل الأمر. وقفن حافيات الأقدام في طين من الماء والغبار وفضلات الحيوانات؛ يجذبن النعاج من تحت سيقان الجمال نحو المشرب، ويملأن صملان جلد الماعز بالماء، وينهضن بجميع الواجبات التي تلّقن للمرأة البدوية في المهد، لقد يسّرت وفرة المياة حياة البادية، وقد أعان ذلك على إطالة عمر أسلوب حياتهم الموروث، قبل بضعة أسابيع مكثت في عراء الجهراء. وعند منتصف النهار كان المشرب قد خلى، بعض قطعان صغيرة من الإبل والشياه والحمير فقط كانت هناك.
ثمّة شيء عظيم يتمخّض في السماء
نهاية فصل الربيع القصير لم تحمل معها فقط علامات الجفاف في الصحراء، بل وأيضاً ما يهب من الشمال من ريح مقيتة يُخشى جانبها: عواصف الغبار. اليوم هو الجمعة، بعد السادسة بقليل قمت بزيارة «كرس بردوود» في بيته الفسيح في الشويخ. وبما أن الطقس لم يكن حاراً فقد جلسنا في الحديقة بين شجيرات كثة، وتحيط بنا حشائش نمت بعفوية، وتتولى الحكومة سقياها. من فوق الخليج كان كما لو ارتفع جدار أسود كالشؤم، بدت معالمه عالية في الفضاء، ومن فوقه ما تفضل من أشعة المساء والشمس التي توارت خلف الروضتين.
إنه مستهل أبريل، وقد عجبنا أن تحدث زخّة مطر في مثل هذا الوقت، فموسم الأمطار قد انقضى تماماً، ولا أحد يذكر أنه قد هطل المطر في أبريل، ولكن ثمّة شيئاً عظيم يتمخّض في السماء. قلت لـ «كرس»: «من الأفضل أن أغادر فوراً... فلا أريد أن اتفاجأ بهطول الأمطار وأنا في الطريق...» صار الهواء هادئاً وثقيلاً، الأمر الذي بدا غريباً. ليس هناك من ورقة تتحرك، وغدا سيكون التنفس صعباً، وقد شعرنا كما لو كان المرء في وعاء فرّغ من الهواء.
قدت سيارتي في اتجاه طريق الجهراء لأطوف بالمطار ومنه إلى النقرة لاتجه من هناك إلى البيت، وبمجرد أن أدركت مخفر شرطة معسكر الشويخ، وإذا بي في لحظة أفاجأ بظلام الليل. ليل! لم تكن ظُلمةٌ بل عتمةٌ سوداء سواد الشؤم. أدرت نور المركبة لأرى في ضوئه قطع الورق والفارغ من أكياس الأسمنت تتراقص كالأشباح في الهواء.
|
|
- تسجيل الدخولأو سجل لتعلق
- نسخة للطباعة










