في الكويت لا يجري التمسّك بمبادئ الدين وأعراف الصحراء عبثاً

يعمل في داخل الجزيرة فريق دانماركي في مجال التنقيب عن الآثار. فهناك دلائلٌ على مكوث الاسكندر الأكبر على هذه الجزيرة. بعض ما عثر عليه في هذه الحفريات معروضٌ في متحف الكويت، وسيكون عوناً لأجيال من دارسي الآثار في رسائلهم العلمية.
جولة في سكيك فيلكا
لم يكن لدى النساء والأطفال كبيرُ رغبةٍ في التجوال في الأزقة الحارة أو على واجهة البحر، بل ودّوا العودة إلى البوم ليظفروا بساعة قيلولة تحت الشراع. مع (بتر بلومتري) قمت بجولةٍ في الأزقة العتيقة أعادت إلى ذاكرتي مدينة سامراء في شمال بغداد بهدوئها الذي يبعث على الراحة.
وأثناء تجوالنا لوحدنا وعلى مهل في هذه البلدة وجدتها فرصة لأحدّث (بتر) عن الأيام الخوالي:
«في زمان مضى كان حال كل ناحية من الجزيرة العربية كما هو الحال هنا... ولكن هذا بالطبع كان قبل ظهور النفط ومقدم السيارات والفلسطينيين. كما هي الزور الآن كانت الكويت أيضاً في عام 1936... فلا وُجدت كهرباء ولا مكيفات هواء، وفي كل المدينة كان يوجد فقط أربعة مركبات ويعيش ثمانية أوروبيين. ولك أن تتصور أني سكنت في ذلك الوقت أحد هذه البيوت بلا ماء أو كهرباء أو مروحة أو صندوق بارد! أن تتدبر أمورك بلا مركبة... أن يصل البريد إليك كل ثلاثة أسابيع... أن تحصل على الماء في كرش ماعز... إنك بالكاد ستصدق أنني عشت أسابيع في الكويت دون أن أتمكن من صرف آنة واحدة، ذلك لأنه لم يكن يسمح في ذلك الوقت بأن يتقاضى الناس هنا مالاً من غريبٍ أو ضيف...».
الطابع العربي القديم للكويت
وفي غضون سنوات قليلة جرى إفساد ذلك الطابع العربي القديم للكويت. وقريباً لن يكون هناك ما يعيد الذاكرة إلى عهود الهدوء والقناعة. ما يساءل المرء به نفسه، هو ماذا عساه أن يكون إذا لم يبق هناك ما يمكن تحديثه...
واصلنا التجوال في ذلك الماضي ولقد سعد كلانا بأصالة هذه البلدة الصغيرة والعتيقة. هؤلاء الناس حفظهم القدر بعيداً عن العصور الحديثة. ويبدو في حكم المؤكد أن شيخَ الكويت سيجعل من هذه الجزيرة متحفاً حياً.
غشينا الربيع بحبّه الدافئ ونشر النور في زوايا البيوت وأفنيتها بما فيها من نخيل وبعض الحمير. سطعت الشمس بنورها هنا على مسجدٍ صغير وهناك على بقالةٍ صغيرةٍ متواضعة بأكياس سكر، ورز، وذرة، وطحين وأباريق فخار وبكلّ ما هو غير رائج من التوابل الزكية.
أشرف استطلاعنا لهذه البلدة الصغيرة على التمام. ولجنا بوابةً مقوسةً باتجاه البحر وطلبنا الإذن بالجلوس في أحد أماكن الرجال. هذا الحيز المفتوح من كافة الجهات يوفر حتى في أشد أيام الصيف قيظاً الهواء اللطيف والراحة، كما يسمح لنسمة الهواء مهما كانت ضئيلة بالمرور.
الأطفال وأسماك القرش
من الشاطئ يصلنا صياح الأطفال الذين يرتعون هناك، ومع ذلك فعليهم أن يحذروا أسماك القرش التي تظهر قريباً من الشاطئ بسبب المنسوب العميق للمياه. في أحيانٍ كثيرة توجد هذه الأسماك في مجموعات حتى أن الصيادين يمسكون عن الإبحار ويمكثون على اليابسة.
جلسنا على حصيرٍ وأخذنا في تأمل البحر من خلال قوس في الجدار، ذلك الذي امتد حتى الأفق وهاجاً ومتلألأً. الرجال الذين بدوا شاردي الذهن لم يحفلوا بنا بتاتاً. الكويت وكل ما يتعلق به يبدو كما لو يبعد ألف ميل. أزفت ساعة منتصف النهار فرفع المؤذن نداءه للصلاة. لا يوجد هنا مكبّر صوت، ولذا فعليه أن يتسلق المنارة بأعتابها الكثيرة ليناجي الله.
نفوسنا التي هفت إلى الشراب البارد جعلتنا نعتذر شاكرين عن دعوة أحد الأهالي لتناول الغداء. ولذا فقد أمضينا ما بعد الظهيرة تحت شراع البوم الذي شرع في التجوال الوئيد أمام الجزيرة، ليختطفنا قبيل المغرب من هذا المكان الهادئ. أبحرنا باتجاه الغروب، وكان من البهاء بحيث لا يمكن وصفه، ونحن بالكاد نرتوي من رؤية لعبة الألوان بين الماء والسماء.
مع غروب الشمس قفّل الصيّادون أيضاً راجعين. عُلّقت الشباك في كافة الأنحاء. ارتقى القبطان مقدمة السفينة وأملى على البحّار تعليماتٍ لتفادي أي ضرر.
رحلة العودة إلى الكويت
لم يعد لدي (هُغ ماكسويل) أيّ رغبة في الصّيد أثناء رحلة العودة، فاضطجع إلى جانبي على تلك السجادة. وقد ندر أن رأيته مسترخياً وقانعاً كما هو في حالته هذه.
الثلج في البرميل كان قد ذاب، وأتى الفساد على سمكة (هرب) وكذلك على كل ما هنالك من طعوم، وتعلّقت الرائحة الكريهة للسمك الفاسد بكل شيء.
يمّم البحّار شطر الجنوب حتى ساحل الفنطاس. من هنا يمكنه الاسترشاد بالأنوار على الساحل ليطوف بنا بأمانٍ حول رأس الأرض والسالمية إلى ميناء الكويت حيث سيجري عدّنا مرةّ أخرى.
لقد أمضينا يوماً في منتهى الروعة وقد سعدنا بذلك. طوينا مفارشنا وحبينا البحّار.
شهر رمضان على الأبواب
أنباءٌ محزنةٌ من الموصل، وليمةٌ عربية، ريحُ الشمال واحتفالية صامتة أتت أيام الربيع الجميلة أيضاً برمضان، شهر الصيام، الذي سيبدأ هذا العام مع هلال العشرين من مارس. ومع أن البلدان العربية ليست على وِفاقٍ مع مصر جمال عبد الناصر، ولا تحبذه قائداً للأمة العربية فإنهم يديرون أجهزة المذياع في هذه الأيّام الدقيقة نحو القاهرة؛ فرجال الدين حول النيل سيحدّدون بداية ونهاية شهر الصيام، وسيعلَن قرارُهم هذا عبر الأثير.
تتوافق هذه المواعيد في معظم السنوات مع التقاويم الموضوعة. ولكن الدقة الفلكية لا تفي رغم ذلك بالغرض، فلا بدّ من رؤية الهلال رأي العين. وحين يحدث أن تحجب السحب الرؤية فقد يحدث أن يتأجل صيام رمضان يوماً.
نحن الأوروبيون لا نجلس حول المذياع لننصت إلى القاهرة، بل نسترشد برجل الشارع. نركب صباحاً إلى أعمالنا وبمجرّد أن نرى رجلاً واحداً يدخّن نعلم بأن غرّة رمضان هو يوم غد. وحتى نرى ذلك الرجل المدّخن على الطريق فإننا نأخذ جانب الحذر ونكفّ عن التدخين.
أثناء شهر الصيام يجب على المسلم الحقّ ألا يذوق زاداً أو شراباً، وذلك منذ مطلع الشمس حتى مغربها. بل إن مسلماً حقاً لا يبتلع حتى لعابه. ومع أن استهلاك التبغ لم يكن معروفاً في الجزيرة العربية أثناء رسالة محمد ( صلى الله عليه وسلم )، فإن التدخين محرّمٌ تماماً. فاللغة العربية تعبر عن استهلاك التدخين بشربه. محرّمةٌ أيضاً المعاشرة الزوجية والتفكير في الشهوات. هؤلاء في حلٍّ من الصيام فقط الأطفال والمرضى ومن كان على سفر.
في الوقت الحاضر أضحت المحافظة على مثل هذه القيم الشرعية أمراً عسيراً. ففي تونس جرى إنهاء هذه الازدواجية. فصيام رمضان لم يُحرَّم قانوناً ولكن جرى رفع أيّ إكراهٍ للصيام.
الدين الحبل الوحيد الذي يوحّد المسلمين
وفي الكويت لا يجري التمسّك بمبادئ الدين وأعراف الصحراء عبثاً. ففي مثل هذا الزمن المفعم بالتحوّلات الكبرى وتهميش قيم التراث فإن مبادئ الدين هي الحبل الوحيد الذي يوحّد المسلمين، وهي أساس خلقهم. يعلم المرء في الكويت بالطبع كم هو مغر، أن يقضي النهار غافياً أو مستريحاً في الديوان، ويترقّب مغيب الشمس بلا عناء بدلاً من الكدّ والعرق هناك في العراء. إنه أمر عسير حقاً على المرء تحت هذه الشمس المنهكة أن يستذكر الله بحلقٍ جاف وببطنٍ تعوى، أو أن يتبيّن أثناء الصيام من الأفعال ما يُخلص لوجهه. فأثناء العمل هناك الظمأ. ونحن ومعنا أيضاً من معنا من العمّال المحليين علينا أن نؤدي واجبنا اليومي.
الكويت لا تعرف إلا القرآن
ولكن الكويت لا تعرف إلا القرآن ونحن جميعاً نخضع لشرائعه، مسيحيون، مسلمون، هندوس، وبوذيون. والأغنياء الميسورون على وجه الخصوص عليهم أن يؤدوا رمضان ويصوموا بعزيمةٍ قوية. إذ هم على هذا النحو فقط يعيشون جوع الفقير ويُدفعون إلى فعل الخير.أما من كان على سفر فقد رفع عنه من الصيام.
قامت الشركة بالتنبيه لرمضان بإعلاناتٍ خاصة دقّت على الحائط، وبأوراقٍ وُزّعت على جميع السيارات. كما أصدرت منعاً للتدخين وتناول الأكل خارج المطعم. فنحن نعلم بأن يكفي أن يقدم أحد المسلمين الغيارى بلاغاً أن قد شاهد مدخّناً بيننا حتى يجري على إثرها ترحيل ذلك المدخّن. لذا فقد توخينا الحذر، إذ هو أمر بالغ الصعوبة أن نمكث في العراء بلا تدخين.
في اليوم الأول التزم الجميع بالفعل الامتناع عن التدخين. ومن كانت له رغبة يتوجه إلى المطعم. فتّشنا عمّن نثق بهم، أولئك الذي يودون حقاً التدخين مثلنا. في اليوم الثاني كنا قد تجرأنا على التدخين في غرف العمل... وفي اليوم الثالث كنا نتنقل في موقع العمل واليد تمسك سيجارة. وحالما نرى مسلماً يدخن فإننا نخرج صراحة عن تعاليم رمضان.
وضعنا العديد من لوحات التحذير. كما حُذّر كلٌ من دخول موقع العمل ومن المخاطر المحدقة به. بذلك كنّا نحاول قدر الإمكان أن ندرأ أنفسنا من المخبرين الذين يجوبون الكويت يفتّشون عن مفطري رمضان. في المدينة كما في السيارة نمتنع عن التدخين.
العراك بين العمال
لأغلب الأفراد هنا في الكويت لا تمثّل مباهج الاحتفالات الغزيرة ليلاً تعويضاً عن شقاء الصيام والعمل. فالمزاج العام يكون عادة متوتراً، والعراك بين العمال يقف على جدول كل يوم. ولأتفه الأمور تصول هذه المجموعات المعتوهة بالفؤوس والمعدات، وأكثر من مصابٍ إصابةً بالغةً يُنقل بسيارة الإسعاف. الشرطة لا تكترث كثيراً بمثل هذه الحوادث، ولذا فإنهم يدعوننا وشأننا.
|
|
- تسجيل الدخولأو سجل لتعلق
- نسخة للطباعة









