«حاجز نفسي» مع الجزائر!

تشيع في بعض الدوائر الإعلامية المصرية حالة من التوجس والحذر إزاء المباراة المرتقبة بين مصر والجزائر التي تقام اليوم في أنجولا. فمنذ لاح في الأفق احتمال المواجهة بين منتخبي البلدين، بدأ التلميح والشحن وظهرت على شاشات التلفزيون صور أحداث الخرطوم، في استعادة للأحداث المؤسفة، التي وقعت آنذاك من قبل المشجعين. ورغم أن بعض الناقدين الرياضيين المحترمين عبروا عن فرحتهم وتقديرهم لما حققه المنتخب الجزائرى حتى الآن في مباريات التنافس على كأس أفريقيا، فإن الموقف لم يكن كذلك من قبل آخرين. خصوصا بين مقدمي البرامج التلفزيونية. وهم الذين لعبوا الدور الأكبر في الإثارة والتهييج وغرس بذور الحساسية والنفور بين جماهير الكرة في البلدين. إذ لا مفر من الاعتراف في هذا الصدد بأن الإعلام المرئي أصبح الأكثر والأخطر تأثيرا في تشكيل الرأي العام. وتتضاعف تلك الخطورة حين يكون بعض مقدمي البرامج من الشعبويين وأنصاف المتعلمين، الذين يهتمون بإثارة الغرائز واللعب على العواطف، ولا يفرقون بين الانتصار في مباراة كرة القدم وبين خوض أي معركة أخرى من معارك المصير.
الموقف مختلف نسبيا في الجزائر. لأن التلفزيون الخاضع لسيطرة الدولة والصحف المعبرة عن الحكومة لم تشارك في حملة التراشق المفجع التي أعقبت مباراة الخرطوم، وإنما أشعلت الحريق وأججت نيرانه بعض الصحف الخاصة الصفراء، التي ردت عليها بعض منابرنا الإعلامية بمثل ما فعلت وربما أسوأ منه.
لست هنا بصدد الحديث عما جرى، لكني أحسب أن الذي لم يجر أسوأ منه بكثير. إذ أزعم أن مشهد العلاقات المصرية-الجزائرية خلال الشهرين الماضيين يعد شهادة على هشاشة وبؤس العلاقات العربية العربية. فهذان البلدان اللذان جمعتهما يوما ما رفقة النضال ضد الهيمنة الغربية وربطت بينهما أواصر نسجتها علاقات اتسمت بالمؤازرة والمروءة والنبل، باعدت بينهما أخيرا مباراة لكرة القدم. وبسببها خربت جسور، وأهدرت مصالح وشحنت بالمرارة بعض النفوس، وسحب السفير المصري من الجزائر، ومر شهران على ذلك، دون أن يبذل جهد من أي طرف لوصل ما انقطع أو ترميم ما انهدم. (أمس الأربعاء ذكرت الصحف المصرية أن اتصالا هاتفيا تم بين وزيري خارجية البلدين اتفقا فيه على «التعامل الحكيم» مع المباراة).
لقد انتابني شعور بالانكسار والحسرة حين سمعت من قال إن أحداث المباراة البائسة أقامت «حاجزا نفسيا» بين الشعبين المصري والجزائري، لأن ذلك المصطلح كان يطلق يوما ما على العلاقات بين مصر وإسرائيل، وحين زار الرئيس السادات تل أبيب في عام 1977 فإنه قال وقتذاك إنه أراد أن يكسر ذلك الحاجز النفسي. ويستحي المرء أن يذكر أن الحاجز الذي انهدم رسميا على الأقل مع إسرائيل، فإنه استبدل بحواجز أخرى أقيمت بين الشعب المصري من ناحية وبين الفلسطينيين والجزائريين من ناحية ثانية. والحال أسوأ فيما خص الجزائر، لأن ما قام بين المصريين والفلسطينيين له أسبابه السياسية، التي بنيت على الموقف من المقاومة، أما ذلك الحاجز المفتعل الذي أقيم مع الجزائريين فمصدره التنافس بين الغوغاء بسبب مباراة لكرة القدم.
إنني أستغرب هذا الفتور في علاقات البلدين الذي وصل إلى حد الجمود. فلا الرسميون تحركوا ولا أي جهة أهلية في البلدين عملت على احتواء الموقف، الأمر الذي يدل على قصور في رؤية السياسيين، كما يدل على مدى الخواء والهشاشة، التي يتسم بها المجتمع المدني في البلدين. وكأن الأحزاب والاتحادات والنقابات وغيرها من المؤسسات المنتخبة كلها ذيول للموقف الرسمي وأدوات للحكومات. ومن المؤسف أيضا أن تكون لدينا «جامعة عربية» تعتصم بالصمت وتقف متفرجة أمام الأزمة الوهمية بين الشقيقين، أما مصر الكبيرة فلم نلمح قامتها في هذا المشهد، وإنما وجدناها تغفر الكثير من الجرائم للإسرائيليين حتى استقبلت بعض أشهر قتلة الأسرى المصريين في عام 1967 (الجنرال بن أليعازر وزير البنية التحتية الحالي)، لكنها لم تتسامح مع مشجعي الكرة الجزائريين، إنها بعض علامات الساعة الصغرى.
(للعلم ذكرت صحيفة الشروق أمس أن الوساطات العربية فشلت في تنظيم لقاء بين الرئيسين مبارك وبوتفليقة، وفي اليوم ذاته قال السفير الإسرائيلي في القاهرة إن شمعون بيريز زار مصر ثلاث مرات في العام الأخير وكذلك بنيامين نتنياهو).
|
|
















علِّق