قانون يُولد ميِّتاً
يبدو أن السادة النواب لم يتعظوا من تجارب مَن قبلهم، فبقراءة سريعة للتاريخ البرلماني في التشريع، نجد أن إصرار النواب على تمرير قانون ما، بشكل أو بآخر دون مراعاة لواقع الحال، يتسبب في إفشال تمرير القانون وتحويله إلى واقع! حدث هذا أكثر من مرة.. وخاصة في القضايا الشعبية.
ما يحدث اليوم هو نفس ما يحدث بالأمس.. النواب يصرّون على تمرير قانون إسقاط القروض بصيغة محددة.. والحكومة تؤكد رفضها للقانون وإعادته بمرسوم! ومع هذا يصرّ النواب على تمرير مقترحهم، وهم يدركون جيداً سقوطه في مرحلة التطبيق.. أي قانون يُولد لا روح فيه! إذن ما سر إصرار النواب على هذا الموقف الغريب؟! أنا شخصياً سألت عددا من هؤلاء النواب، فأجابوني ثلاث إجابات مختلفة!
* شريحة قليلة من النواب تتوقع وتتمنى ألا ترد الحكومة القانون، وأن ما يحدث هو جسّ نبض حكومي للنواب! وأنا أقول إن هذا الكلام مأكول خيره، لأن الحكومة كانت صريحة برد القانون على لسان ثلاثة وزراء، بينهم الوزير المحلل.
* شريحة أخرى، وهي أيضاً قليلة، تقول: صحيح نحن لا نملك أن نرفض مرسوم الرد، لكن هذا يعطينا فرصة للتصويت على القانون في العام المقبل بأغلبية «نصف العدد + 1» وهذا ـ كما يدعون ـ يملكونه، وانا أقول إن هذا الكلام مأكول خيره كذلك، لأن الرقم المطلوب للتمرير في العام القادم لن يتواجد وفقاً لهذه التركيبة البرلمانية.
* شريحة ثالثة، وهي الأغلبية الصامتة وغير الصامتة من النواب، تقول إن علينا تبرئة الذمة، وليس بالضرورة إنجاز المهمة! وهذا مربط الفرس! لأن هذا النائب التزم بوعود، وارتبط بعهود مع ناخبيه، ومُطالب بالإيفاء، والخوف من حل مجلس الأمة في أي لحظة، عندها لابد من عمل شيء ـ أي شيء ـ ولو كان تطبيقه مستحيلاً لكن المهم أنه وفاء للعهد، ولسان حاله يقول: «اللي عليّ سويته! واللي ما يقسم عَسِر!» ويرد عليه ناخبه: كفيت ووفيت وما قصرت!
وهذا الموقف يذكرني عندما تقدمت الكتلة الإسلامية باقتراح زيادة مكافأة أو علاوة الأولاد من خمسة إلى سبعة، فأصرت كتلة العمل الشعبي أن يكون سقف العدد مفتوحا، فتم التصويت على اقتراح «الشعبي» فسقط وتأخر الإنجاز سنة كاملة إلى أن جئنا بعد عام بمقترحنا، فتم تمريره بسهولة، وأصبح المواطن يتسلم علاوة لأول سبعة أولاد. التاريخ يعيد نفسه! فإما أن تُعاد صياغة القانون، بحيث يضمن المجلس الأغلبية المطلوبة لتمريره.. وإلا فلينتظروا قليلاً.. عل وعسى أن تتهيأ لهم الظروف بشكل أفضل.
الناس ملّت من الصراخ وتسجيل المواقف وتخوين الخصوم.. الناس تريد العنب لا الناطور! فهل من عاقل يستجيب؟! الله المستعان.
|
|


















علِّق