«لو ينطلق البحر» ..حضور آت من السراب

إلى وطن تحبه، تهدي الإعلامية والكاتبة اللبنانية المقيمة بالكويت عواطف الزين، مجموعتها القصصية الجديدة «لو ينطق البحر»، الصادرة عن «دار قناديل» للنشر في بيروت. تشتمل المجموعة على ثماني قصص قصيرة، تتضافر عوالمها المتباينة في نسيج واحد، وتحافظ على النسق الحكائي المشوّق، من خلال الإمساك بلحظات إنسانية شديدة الرهافة، تسعى للمسها واكتشاف مخابئها الإنسانية روح طفولية، شغوفة بما حولها، متقدة الذهن، تتلمس السبل لفهم ماهية الحياة في محيطها، وتجاهد لتفسير تصرفات الآخرين، وأفعالهم غير المبررة: «كان العالم من حولي يوشك على تكبيل طفولتي بقيود الأنوثة حين انتزعني أبي من نعيم مدرستي وجنتها ليرمي بي في مواجهة غير متكافئة مع قناعاته، وطموحاته، وتمسكه برأيه».
يلاحظ القارىء أن روح تلك الطفلة لا تكفّ عن السؤال، ومن ثم يتفتح وعيها في محاولاتها المستمرة لإدراك أطراف محيطها الكوني، والتحليق في آفاق المعرفة بخفة كائن طموح، يدفعه رغبته القوية في النضوج، وما يتسرب في لا وعيها من ممارسات تشاهدها، وتمنحها لحظات دافئة، تجعلها ترى أبعاداً أخرى في الحياة، من نافذة غرفتها، التي: «تطل بجرأة على منزل عاشقين لا يكفان عن ممارسة عشقهما ليل نهار». ذلك المشهد الحميم، يكشف لها عن جانب مهم في الحياة المختفية وراء الأسوار العالية، وفي الغرف المغلقة، ويقابل ذلك المشهد مشاهدتها للباعة المتجولين، ومشهد ثالث لامرأة مجنونة، تزرع شوارع الحي بصراخها المضني، وشتائمها، وغضبها من الرجال.
هكذا، تمر حياة تلك الطفلة وتتشكّل من مشاهدات رومانسية حالمة، إلى مشاهدات صاخبة، وهي بين هذا وذاك تحاول أن تفكّ قيود العالم من حولها، بشقاء ترك بصمة واضحة في المخيلة، يستمر معها ويلازمها في مراحل حياتها، ذلك في قصة «الصفعة»، وما تركته من دويّ، يتردد صداه في أذنها: «إلى متى ستظل تشرب من معين الخوف والقلق انتظاراً لشيء ما قد يحدث أو لا يحدث؟ وما هو هذا الشيء يا ترى؟». أسئلة تتوالد من بعضها، تفتح نوافذ كثيرة لتلك الذات الساردة لتطلّ منها على عالمها، ذلك العالم المليء بالأحلام والكوابيس، وشعور بالآمان يغمرها، وشغف بالحياة يجعلها تركض دون توقف.
في قصة «أوليفيا» يمكن للقارىء أن يلمس براعة ومقدرة عواطف الزين على بناء عالم أسطوري، يتوازى مع الواقع، يتشابك ويتمازج معه، إلى أن تتوه الحدود الفاصلة بينهما: «حين أطلت «أوليفيا» من بعيد يسبقها إلينا وإلى حضورنا الآتي من السراب صوت متوهج باللهفة، طافح بالاشتياق، ها هو الحلم يسير على قدمين ويضمنا بعينيه قبل أن يغمرنا بصدره». ونجد ذلك البناء الأسطوري يمتد في قصص المجموعة، ويشيد طبقة أعلى في قصة «لو ينطق البحر»، التي توظف فيها الكاتبة الأسطورة اليونانية القديمة، وما يقابلها في الملحمة الشعرية الرومانية «الإنيادة» عن «أليسار» أو «ديدو» ابنه الملك بيبلوس، التي قتلت نفسها بعد أن هجرها البطل الطروادي. وهنا نجد الزين تعيد خلق الأسطورة بأسلوب عصري يؤكد على قيمة وأهمية التاريخ حين يُضفر في لحمة السرد.
ولا يلبث أن يخرج القارىء من تلك الأجواء الأسطورية وهو مشبع، ومتلهف، وشغوف للمس وإدراك ما حوله، ما يحياه، ويزاحمه في شئونه، فيجد مأربه في القصص التالية: «اليوم الموعود»، «الحياة تبدأ الآن»، «الأضحوكة»، و»في وجه الشمس»، حيث لم تهدأ أو تفتر جاذبية السرد، وتمكّن عواطف الزين من شد انتباه القارىء ومنحه لحظات متعة دافئة، تحببه في المضي في اكتشاف تفاصيل أكثر: «لا مكان للراحة في هذا العالم المسكون بالظلم والمحكوم بالظلام». ومن تلك الزاوية يدخل القارىء إلى حياة المعتقلات السرية، ويرى أثرها الفاعل في تشكيل وتوجيه المعتقلين، ومصائرهم النفسية، وهزائمهم المعنوية، حتى تصل الزين بقارئها إلى نقطة مضيئة، جوهرية، عن تلك الحياة السرية في القصة الأخيرة «الزائرة»، والتي طعّمتها بالتراث الشرقي، من خلال شخصية شهرزاد: «كانت السماء تفرج عن فجر جديد آسر ترسمه شهرزاد بصرخة مدوية في وجه كل جائر». وهي صرخة الملاذ للذات المسلوبة، تؤكد بها على حضورها، والاحتماء بقوتها الداخلية ضد الظلم، والطغي، والاستبداد.
في مجموعة «لو ينطق البحر» لعواطف الزين ملامح ثرية، تكشف عن جماليات مختبئة في الذات الإنسانية، وهو ما يجعلها تشتبك بالواقع بجسارة، وتتسرب في الأحلام بمرونة، تلك المراوحة تنير للذات مساراتها المتعددة، وتخرجها من متاهاتها المتشعبة، دون أن تفقد شغفها وحلمها لمعرفة ذاتها، ورهانها على الزمن القادم، وعلى قدرة الإنسان على تجاوز محنته، بأسلوي حكائي شيق، يحافظ على روح السرد الشرقي، ونكهته الأسطورية، ويعطي للأشياء قيمة، وللزمن مكانته في تشكيل طبقات الوعي المتعددة الدلالات والمعاني.

















العشري ناقداً
هكذا حينما يكون المبدع ناقاً!.
رؤى عميقة وقراءة واعية.
شكراً محمد العشري
خالد الأنشاصي
لو ينطلق البحر» ..حضور آت من السراب
ستنطقه ابجدية/فكــر علي سطور من ألق..
فهي قديرة علي تطويع رؤيتها العميقه وتجسيدها بشخوص تدور في دائرة الحياة فتعكس اتجاهها المتوقع,لثزيد من الشغف الملون بالحلم/المكبل بملامح واقع مكبل
الأعلامية/الكاتبة القديرة
أستاذة/عواطف الزين/مبارك المجموعة السردية
و..
آيات من الإمتنان للأستاذ/محمد العشري لتلك الومضة الأنيقة
تقديري
شاهيناز نور
علِّق