حتى لو كانت من أجمل الجميلات يا جريدة« الرؤية»

الأحد, 5 يوليو 2009
د.محمد الفزيع

في عددها الصادر يوم الأحد 28 يونيو 2009م استطلعت جريدة «الرؤية» آراء بعض المتخصصين في الأوراق المالية بشأن استحداث سوق لتداول السندات والصكوك في الكويت، وأشارت إلى أن تداول السندات في سوق الكويت للأوراق المالية سيمثل دفعة مكملة لقانون تعزيز الاستقرار الاقتصادي، ودعماً للاقتصاد الوطني بمشاركة القطاع الخاص في خطط التنمية من خلال تداول الشركات في السندات الحكومية، كما ذكرت مجموعة من إيجابيات السندات وبعض سلبياتها، لكنها تغاضت عن أهم سلبياتها الجوهرية المتمثلة في أن العمل على إصدار السندات وتداولها يؤدي إلى تشجيع تداول الديون واعتبارها سلعة تباع وتشترى، وهذا يعني الفصل بين الديون من جهة والنشاط الاقتصادي من جهة أخرى، وتقسيم العجلة الاقتصادية إلى عجلتين منفصلتين تماما عن بعضهما البعض، إحداهما للدوران النقدي والأخرى للدوران السلعي، بدلاً من أن يجتمعا مع بعضهما البعض في عجلة واحدة، وسلوك هذه السبيل فيه مخاطر مرتفعة تتمثل في الميل نحو عدم الاستقرار وزيادة التقلبات الاقتصادية، وما حدث في الولايات المتحدة الأميركية ليس عنا ببعيد، إذ إن أزمة الرهون العقارية انطلقت من فكرة تداول السندات. كما أن الجريدة لم تشر إلى أن السندات أداة تمويلية واستثمارية تمثل قرضا ربويا، يقترض فيها مصدرها من حاملها بفائدة مشروطة مقابل الأجل، وهذا عين الربا الذي حرمته الشريعة الإسلامية، وأعتقد أن دخول السندات حقل الألغام الربوية كفيل بأن يمسح جميع إيجابياتها حتى لو كانت أجمل الجميلات، ولا أدري لم تشر الجريدة إلى بعض مزايا الصكوك الاستثمارية؟ مثل كونها استثمارا في أصول عينية ملموسة أو خدمات أو مشروعات، وتتبع قاعدة المشاركة في الربح والخسارة لا الفائدة الربوية، وأن تداولها يعتبر بيعا لأعيان موجودة أو منافع في الذمة لها قيمة مالية محددة وليست كالسندات التي يقوم تداولها على تداول الديون، وهاتان الصفتان كفيلتان بتحريك الاقتصاد الحقيقي لا اقتصاد الديون الوهمي الذي يأكل الأخضر واليابس.

لقد ذهلت عجبا حينما اعتبرت الجريدة الخلاف القائم بين بعض الاقتصاديين من جهة، والفقهاء من جهة أخرى بشأن السندات أزمة فقهية، إذ إن الاقتصاديين ليسوا محلا للنظر في الحكم الشرعي الذي يجب ألا يصدر إلا عن حملته، ولا أعتقد أن القول بحرمة السندات يعتبر أزمة فقهية، بعدما استقر الرأي الفقهي المعاصر على تحريمها، ولا أدل على ذلك من قرار لجنة الإفتاء بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الذي نص على حرمة السندات حتى لو كانت صادرة من الحكومة، فقد جاء في فتوى لها: (إن أذونات وسندات الخزانة حسب الطريقة التي طرحت بها للاكتتاب، قائمة على أن أذونات الخزانة فيها خصم عن سعرها الاسمي المكتتب به، وأن سندات الخزانة تحمل أسعار فائدة سنوية تدفع كل ستة أشهر، وأن القيمة الاسمية مضمونة من البنك لكل من الأذونات والسندات، وهذا يجعلها من القروض بزيادة مشروطة، وذلك من الربا المحرّم الذي لا يجوز التعامل به أخذا ولا إعطاء) وجاء في فتوى أخرى لها: (أما شراء سندات الدين على الدولة فهو محرم؛ لأنه في حقيقته إقراض للدولة بفائدة ربوية، وهو حرام، والله أعلم)، كما حسم مجمع الفقه الإسلامي الدولي حكمها بتحريم قاطع، كما في قراره رقم (60) الصادر في 20 مارس 1990م، والذي قضى بما نصه: (إن السندات التي تمثل التزاماً بدفع مبلغ مع فائدة منسوبة إليه أو نفع مشروط محرمة شرعاً من حيث الإصدار أو الشراء أو التداول؛ لأنها قروض ربوية سواء كانت الجهة المصدرة لها خاصة أو عامة ترتبط بالدولة، ولا أثر لتسميتها شهادات أو صكوكاً استثمارية أو ادخارية أو تسمية الفائدة الربوية الملتزم بها ربحا أو ريعا أو عمولة أو عائدا)، وهذا الاستقرار يدل على أن القول بحرمة السندات لا يعتبر أزمة فقهية.

إن تمتع السندات ببعض المزايا والإيجابيات لا يعني الدعوة إليها أو الحث على سن قوانينها، بل الواجب محاربتها وإغلاق الأبواب دونها؛ ولا تتشرف أسواقنا المالية بها، حتى لو كانت من أجمل الجميلات يا جريدة «الرؤية».

لا يوجد اي تقييم للموضوع

علِّق

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق