الثورة البرجوازية

الأحد, 5 يوليو 2009
نواف الديحاني

بعد 30 عاما من الثورة الخمينية تعود الجماهير التي اسقطت امبراطورية الطاووس الشاهنشاني الي الشارع من جديد لتعبر عن رفضها للنظام، والكل تابع وشاهد ما جرى من احداث اخيرة في ايران 2009 من مسيرات واحتجاجات ومصادمات بين قوات الامن والمواطنين الايرانيين العزل.

القضية لم تكن بنجاح أحمدي نجاد برئاسة الجمهورية فقط، وانما كانت تداعيات لاخفاقات حكومية على اصعدة مختلفة، إضافة الى الشبهات التي واكبت الانتخابات الاخيرة وفشل الحكومة في القضاء على مشكلات البطالة والنمو الاقتصادي المتردي في بلد يملك ثاني أكبر احتياطي للنفط في العالم بعد السعودية.

وكذلك النقمة المتزايدة من تصريحات احمدي نجاد في الموتمرات الدولية والتي يطلقها بين الحين والاخر، ما ادى الى ان تعيش ايران في عزلة سياسية داخل المجتمع الدولي وهذا هو الأمر الذي يرفضه الكثير من الايرانيين، خاصة اصحاب التوجهات الاصلاحية ورغبتهم في الانفتاح على العالم ومد جسور الصداقة والتعاون بين ايران ومحيطها الدولي والإقليمي.

كما أن آراء مير حسين موسوي السياسية لاقت قبولا كبيرا لدى الجيل الجديد من الشباب الإيراني المتطلع إلى التغير والذي استطاع في تجارب تاريخية سابقة من تغذية الحراك السياسي والاجتماعي في مجتمع ينبض بالحياة مثل المجتمع الايراني، كما حدث في ثورة الخميني، حيث قام المتظاهرون بوضع الورد امام فوهات البنادق، وهم يرددون أيها الجندي لا تقتل أخاك، ولم تمنع الطائرات العمودية والقصف الدموي ملايين المتظاهرين من إحداث التغير وإنجاح الثورة التي تعتبر آخر ثورة اجتماعية في القرن العشرين.

ولكن الذي يسترعي الانتباه والملاحظة وايضا المراجعة ان الانتقادات لم تقف عند حدود رئيس الجمهورية فقط، بل طالت اعلى واقوى منصب في الجمهورية الاسلامية الايرانية ألا وهو المرشد الأعلى واتهم بالانحياز التام للرئيس المنتخب احمدي نجاد، وجاءت تلك الاصوات المعارضة على لسان اقطاب دينية وسياسية ايرانية لها وزنها وتأثيرها في الساحة الإيرانية من أمثال رجل الدين المعارض اية الله حسين منتظري واية الله يوسف صانعي من قم واية الله أميني، الى جانب كل من مير حسين موسوي ومهدي كروبي.

ومن المعروف ان مكانة المرشد أو «الولي الفقيه» في الفقه السياسي الايراني تعتبر أعلى السلطات في إيران، وسقف صلاحيات المرشد لا تحدها حدود قانونية ويعتبر الفقهاء في الجمهورية الاسلامية حكاما على الملوك وإن كان السلاطين على قدرة من التدين فما عليهم إلا أن يصدروا في اعمالهم واحكامهم على الفقهاء، بهذه الحالة يكون الحكام هم الفقهاء ويكون السلاطين مجرد عمال لهم ومن الصفات التي يجب ان يتصف بها الحاكم الاعلى الفقيه العالم بجميع الاحكام الاسلامية، فالامام في زمان الغيبة هو الفاضل العالم بالاحكام والقوانين وعادل في انفاذها.

ان تداعيات الاحداث في ايران يمكن تسميتها مجازا ثورة على الثورة، فقد كان الفقهاء في السابق يتدخلون عندما تواجه النظام ازمة داخلية ويتدخلون للاصلاح ولحماية الشعب وحقوقه الدستورية من بطش السلطة ويتصدون للدفاع عن المعتقدات الدينية للشعب الايراني، ولكن ما يحدث الآن هو ان المرشد الاعلى علي خامنئي يقر بشرعية الانتخابات ويطلب من الشعب الاقرار بنتائج الانتخابات ويكون الرد من الشارع هو الرفض القاطع لتوجيهات المرشد.

وهذه المواقف والمعالجات التي تمت من السلطة الدينية لم تكن بقوة والزامية سابقاتها من حيث قوة ونفوذ الفقهاء امام شرعية السلطة سواء بالاقرار او التنحية ومن تلك الحوادث صدام الشاه عباس «العظيم» مع الملا احمد اردبيلي 1629، حيث حمل خطاب الفقيه الموجه الى شاه ايران الكثير من التعنيف والوعيد ما يدل على عظم وقوة المؤسسة الدينية، حيث حذره من عواقب الاخلال بشروط الثقة المستمدة من الحق الالهي بالنيابة عن الامام الغائب، ما جعل الشاه يتراجع عن بعض مواقفه غير الدستورية.

وفي عام 1891يصدر فقيه من سامراء بالعراق فتوى تحرم التبغ.. ببضع كلمات فقط قال فيها الميرزا الشيرازي (التدخين الان حرام وبمنزلة محاربة لامام الزمان) يهتز لها البلاط الشاهنشاهي في طهران وتلغي علي اثرها اتفاقية وقعها الشاه مع احد التجارالبريطانيين ولايجد الشاه بد من الانصياع لتلك الفتوى التي سرت بقوة في كل انحاء ايران.

وفي بدايات الثورة يطلق الخميني صرخة مدوية امام مناصرية في قم ينتقد النظام الحاكم وتخليه عن الدستور وقال ان الشعب مستعد لما هو ابعد من الاضراب ولن يكتفي بالتظاهرات السلمية وانه سيقف اول المدافعين عن الشعب وحقوقه الدستورية حاملا كفنه بين يديه لكي يتحقق للشعب استقلاله فتتحرك الحشود المليونية ضد سلطة الشاه، ما ادى بالتالي الى اسقاطه واعلان قيام الجمهورية الاسلامية.

ان ما يحدث في ايران من استقطاب بين المعسكرين الاصلاحي والمحافظ والاتهامات المتبادلة علي خلفية الاحداث الاخيرة لن يقتصر على الوضع الداخلي فقط بل سيتعدي لما هو ابعد في اهتزاز وشرعية اخطر واعلى مؤسسة في الجمهورية الاسلامية في حال استمرالاحتقان وزادت التجاذبات، ما قد يهدد النظام وربما يؤدي الى تقويضه في حالة عدم توصل الاطراف الايرانية الاصلاحيين والمحافظين من ايجاد صيغة توافقية للخروج من الازمة القائمة.

لا يوجد اي تقييم للموضوع

علِّق

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق