قال أبو صالح..
 وأبو صالح صادق!


الجمعة, 3 يوليو 2009
طلال فاخر

تخيل معي، مجرد تخيل، أنك تفتح الصحف كل صباح، فتتفاجأ بأن بين يديك كتب فقه مقارن، وليس صحفاً! فهنا كاتب يؤصل في جواز التبرك والتمسح بالقبور، وهناك آخر يقرر أن النقاب ليس من الدين، وإنما عادة اجتماعية.. «وأنت رايح»!

ياجماعة، أريد أن أقرأ جريدة، أما تلك المسائل الفقهية، فأنا أعرف أين أبحث عنها، ولمن أقرأ فيها ! الطامة الكبرى أن أغلب القضايا، التي تطرح في الصحف، وتبدى فيها وجهة النظر المحترمة «دينية شرعية»، فهم يعلمون، الكتّاب إياهم، أنهم لو تكلموا وأبدوا وجهات نظرهم في علاج «إنفلونزا الخنازير» لأسكتتهم وأخرستهم جمعية الأطباء، ولو ناقشوا وشرحوا آراءهم في طرق توفير الكهرباء والترشيد لسفّرتهم جمعية المهندسين، لكن علماء الشريعة «طوفه هبيطه» ! وحتى لو ناقشته وأفحمته «وكسرت خشمه».

في النهاية يقول لك، بكل استرخاء، «وجهة نظر وأحترمها» ! «أحترمها» يعني «خلها لك»، ولن آخذ بها! لكن أين دراستي وتحصيلي العلمي، إذا لم يؤخذ بقولي في مجال تخصصي فما فائدتي ؟! وهكذا يتجاسر الكتّاب على أهل الاختصاص، ويجرئون المجتمع على «تطنيشهم»، حتى اضطر العلماء وأهل الاختصاص، مأجورين، إلى الرد عليهم في الصحف بدل الانشغال في البحث والتدريس، وتأليف الكتب، لا أقصد أن كلامهم مقدس، ولا أنهم معصومون، لكن يرد عليهم من هو مثلهم، وفي مقامهم، وليس «عوير وزوير»! لكن إذا «ساركوزي» قال، «إن النقاب استعباد للمرأة» «فلا تشره على ربعنا»! ومع هذا تصدق أن هناك «من ربعنا» من قال عن تصريح «ساركوزي»، «وجهة نظر وأحترمها»!

***

إذا عرفت، ولا أراك تجهل، أن الصحافة هي التي توجه الرأي العام، فأظنك تتمنى أن تكون مالك صحيفة أكثر من تمنيك أن تكون رئيس دولة! وحينئذ سيكون الكاتب الصحافي أهم وأغلى من الوزير! خصوصاً في مجتمع يقرأ ثلاث.. أربع.. «تعش» صحيفة في اليوم، ولا يقرأ كتاباً واحداً في الشهر! عند ذلك لك أن تتصور ضحالة مياه العلم وهشاشة عظام الفكر لدى هذه النوعية والطبقة من المجتمع، لكن لا تلومهم، القراء، لأنهم صاروا يجدون في الجريدة كل شيء فلماذا الكتاب؟! فإلى جانب الخبر والإعلان والرأي فهناك من يفتي، ويفسر الأحلام، ويقرأ على الناس الرقية الشرعية. كل هذا في الجريدة ! «ما صارت جريدة»، وكل هذا تحت مظلة الكيربي، «وجهة نظر وأحترمها»! «وينكم يا فرق الإزالة عن هذي المظلة المشوهة؟!».

***

في برنامج إذاعي علق أستاذ اللغة الأديب الدكتور الماتع الأريب «عصام القطان»، على تلك العبارة والمظلة الكيربي، «وجهة نظر وأحترمها»، قال،

«هذه من أسقط الكلمات في زماننا».

«صح لسانك يا أبو صالح».

لا يوجد اي تقييم للموضوع

علِّق

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق